الجالية العربية

حديث عفوي عن «السفر النهائي» يضع عائلة عربية في ورطة مع مدرسة ابنهم في أمريكا

لم يخطر ببال «نادر» و«سلمى» ، الزوجين العربيين المقيمين في إحدى مدن نيويورك، أن حديثًا عابرًا بينهما في البيت عن احتمال العودة النهائية إلى بلدهم قد يتحوّل في اليوم التالي إلى بلاغ رسمي من المدرسة، واستدعاء للأسرة، واشتباه في وجود خطة لسفر الطفل خارج الولايات المتحدة دون إذن كامل من الوالدين.

«بابا قال مش هنيجي المدرسة تاني».. جملة بريئة تُقلق المعلمة

في صباح عادي، كانت مُعلّمة الصف الثاني الابتدائي تراجع مع التلاميذ خططهم لعطلة نهاية الأسبوع. سألتهم واحدًا تلو الآخر عن ما سيفعلونه مع عائلاتهم. عندما جاء الدور على «ياسر» (٧ سنوات)، الطفل العربي الهادئ، قال أمام الفصل بكل براءة: «بابا قال لو الدنيا فضلت كده هنرجع بلدنا ومش هنيجي المدرسة تاني». ثم أضاف وهو يبتسم: «يمكن نسافر قريب وما نرجعش تاني».

توقفت المُعلّمة عند الجملة. في خلفية ذهنها توجد تدريبات عديدة تلقتها عن قضايا «التغيب عن المدرسة» و«اختطاف الأطفال دوليًّا» في حالات النزاعات الأسرية. لم تُظهر قلقها أمام الأطفال، لكنها دوّنت ما قاله ياسر في دفتر الملاحظات، وقررت أن تُخبر المرشدة الاجتماعية في المدرسة فور انتهاء الحصة.

اجتماع طارئ في المدرسة: هل هناك خطر على الطفل؟

في نفس اليوم، اجتمعت المُعلّمة مع المرشدة الاجتماعية ومديرة المدرسة. شرحت لهم ما قاله الطفل، وأكدت أنه عادةً طفل ملتزم، لم يُظهر أي سلوك مقلق من قبل. لكن حديثه عن «عدم العودة إلى المدرسة» و«السفر النهائي» جعلها تتساءل هل هناك خطة مفاجئة لسفر الأسرة دون إبلاغ المدرسة، أو ربما خلاف قانوني بين الوالدين لم تظهر تفاصيله بعد.

قررت الإدارة، التزامًا بسياسات السلامة، الاتصال أولًا بالأم عبر الهاتف وسؤالها عن الأمر بطريقة هادئة. أجابت الأم بأن العائلة تفكر أحيانًا في العودة إلى البلد الأصلي مستقبلًا، لكنها لم تخطّط لسفر قريب، وأن الزوج قال الكلام في لحظة غضب من غلاء المعيشة والضغط اليومي، وأن الطفل ربما نقل الكلام خارج سياقه.

مع ذلك، وبحكم القواعد المعمول بها في كثير من المدارس الأمريكية، أوصت المرشدة بتوثيق الواقعة وفتح «مذكرة متابعة» للطفل، مع ترتيب لقاء حضوري مع الأب والأم معًا للتأكد من عدم وجود خطر حقيقي أو محاولة لإخراج الطفل من البلاد دون موافقة أحد الوالدين.

بين «الهزار» في البيت و«الواجب القانوني» على المدرسة

في اللقاء الذي عُقد بعد أيام، بدت الأسرة مندهشة من حجم القلق الذي أثارته جملة عابرة قالها الأب في البيت. شرح الأب أنه بالفعل يشعر أحيانًا بالضغط، ويقول أمام أولاده: «لو الوضع ما اتحسّنّاش هنرجع بلدنا خلاص»، لكنه لم يقصد خطة فورية للسفر، ولم يتصور أن طفله سينقل الكلام بهذا الشكل في الفصل.

أوضحت مديرة المدرسة للوالدين أن دور المدرسة ليس التدخل في قرارات الأسرة المتعلقة بالسفر أو العودة للبلد الأصلي، لكن عليها واجب قانوني بالتأكد من عدم وجود حالات:

  • تغيب طويل غير مبرَّر عن المدرسة (Truancy).
  • محاولة لأحد الوالدين السفر بالطفل خارج أمريكا دون موافقة الطرف الآخر في حالات الانفصال أو الخلاف.
  • إهمال في متابعة تعليم الطفل أو حرمانه من الدراسة دون سبب مشروع.

وبما أن كلام الطفل تضمّن «مش هنيجي المدرسة تاني» و«مش هانرجع»، كان على الإدارة أن تتأكد بأن الأمر مجرد كلام انفعالي وليس خطة حقيقية، لأن تجاهل مثل هذه الإشارات قد يُعرّض المدرسة لمسؤولية لاحقًا إذا حدثت مشكلة بالفعل.

مخاوف إضافية: هل هناك نزاع أسري أو ضغط نفسي على الطفل؟

خلال اللقاء، طرحت المرشدة الاجتماعية أسئلة أخرى: هل هناك مشكلات بين الوالدين؟ هل يفكر أحدهما في السفر بالطفل دون الآخر؟ هل هناك خطابات رسمية من محكمة الأسرة؟ هل ذكر الطفل في البيت شيئًا عن خوفه من «الرجوع النهائي»؟

أجابت الأم بأن الحياة صعبة ماديًّا، وأنهما في بعض الأوقات يتشاجران أمام الأطفال بسبب فواتير الإيجار والمصاريف، وأن فكرة السفر تُطرح كنوع من «التنفيس» وليس كخطة حقيقية. ومع ذلك، بدا من كلامها أن الطفل تأثر بالفعل، وأصبح يخشى أن يستيقظ ذات يوم فيجد نفسه مضطرًا لترك مدرسته وأصدقائه فجأة.

سجّلت المرشدة هذه الملاحظات، ونصحت الأبوين بالتحدث مع ياسر بهدوء، وطمأنته أن أي قرار كبير مثل «السفر النهائي» سيتم مناقشته معه خطوة خطوة، ولن يُؤخذ فجأة دون سابق إنذار. كما حذّرتهما من أن الخلافات المالية أو العبارات الانفعالية مثل «هنسيب البلد» قد تترك أثرًا نفسيًّا قلقًا في قلب الطفل حتى لو لم تكن هناك خطة فعلية للتنفيذ.

كيف يُقيّم النظام المدرسي مثل هذه المواقف؟

بحسب سياسات الكثير من المدارس في ولايات مثل نيويورك ونيوجيرسي، يتم التعامل مع أي تصريح من طفل قد يوحي بتغيّب طويل، أو سفر مفاجئ، أو خوف من خطف أو إخفاء، على أنه مؤشر يُستحقّ المتابعة وليس اتهامًا مباشرًا للأسرة. المدارس مُطالَبة بالإبلاغ أو التوثيق عندما تلاحظ:

  • حديثًا متكررًا من الطفل عن السفر دون العودة أو «الهروب» من المدرسة.
  • إشارات إلى خلافات حادة بين الوالدين حول حضانة الطفل أو مكان إقامته.
  • تغيّب غير مبرَّر عن المدرسة، خاصة إذا تكرر قرب مواعيد العطلات والسفر.

في الحالات البسيطة، يُكتفى بتواصل المدرسة مع الأسرة وتوثيق المحادثة. أما إذا ظهرت مؤشرات أقوى، فقد تُحال المسألة إلى السلطات المختصة مثل خدمات حماية الطفل أو حتى الشرطة، خاصة في حالات الاشتباه في اختطاف دولي أو مخالفة لأوامر محكمة الأسرة.

تأثير الواقعة على الطفل والأسرة

خرجت الأسرة من الاجتماع وهي تشعر بمزيج من الانزعاج والخوف. الأب كان يرى أن الموضوع «مبالغ فيه»، بينما شعرت الأم بأن المدرسة تراقب كل كلمة تخرج من البيت. لكن بعد أيام قليلة، أدرك الوالدان أن الجزء الأكثر تأثرًا من القصة هو ياسر نفسه.

بدأ الطفل يسأل أسئلة من نوع: «هل المدرسة زعلانة مني؟»، «هل ممكن الشرطة تيجي لو بابا قال هنرجع بلدنا؟»، «أنا هافضل أشوف أصحابي ولا لأ؟». هنا فهم الأبوان أن الكلمات التي تُقال على سبيل الفضفضة في البيت قد تتحول في ذهن الطفل إلى سيناريو مخيف حقيقي، وأنه يحتاج إلى وضوح وطمأنة لا إلى عبارات غاضبة ومبهمة.

بعد جلسات حوار بسيطة ومتابعة من المرشدة الاجتماعية، تم إغلاق ملف المذكرة في المدرسة مع ترك ملاحظة بأن الأسرة تعاونت، وأنه لا توجد في الوقت الحالي دلائل على خطر حقيقي، مع التوصية بالمتابعة إذا تكرر الحديث عن السفر بنفس الطريقة.

نصائح عملية للأسر العربية في أمريكا

قصة ياسر ليست عن مشكلة قانونية كبيرة بقدر ما هي مثال على الفجوة الثقافية بين طريقة كلامنا في البيت وبين حساسية المؤسسات التعليمية هنا. ولتفادي مواقف مشابهة، يُنصح الأهل بما يلي:

  • تجنّب الحديث المتكرر أمام الأطفال عن «ترك البلد» أو «عدم العودة إلى المدرسة» بصيغة حادّة أو نهائية.
  • إذا كانت الأسرة تفكر فعلاً في العودة أو الانتقال لولاية أخرى، فمن الأفضل إبلاغ المدرسة في الوقت المناسب وبطريقة رسمية.
  • شرح الأمور للأطفال بلغة تتناسب مع أعمارهم، مع التأكيد أن القرارات الكبيرة لا تُتخذ فجأة دون إشراكهم نفسيًّا فيها.
  • إذا تواصلت المدرسة معك بخصوص كلام قاله طفلك، حاول أن تتعاون بهدوء وتشرح السياق، فهدفهم الأساسي هو حماية الطفل وليس معاقبة الأسرة.
  • في حال وجود نزاع أسري أو قضايا حضانة، يجب استشارة محامٍ قبل أي خطوة تتعلق بسفر الأطفال أو تغيير مدارسهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى