الجالية العربية

خمس دقائق أمام السوبرماركت وضعت أُمًّا عربية في أمريكا تحت تحقيق بتهمة تعريض طفلتها للخطر

لم تتخيّل «هالة» (اسم مستعار)، الأم العربية المقيمة في إحدى ضواحي نيوجيرسي، أن نزولها السريع إلى داخل السوبرماركت لشراء حليب لطفلتها يمكن أن يفتح عليها باب تحقيق رسمي مع الشرطة وخدمات حماية الطفل، فقط لأنها تركت ابنتها ذات الأربع سنوات في المقعد الخلفي من السيارة لبضع دقائق.

«هرجع في دقيقتين».. قرار بسيط انتهى باستدعاء الشرطة

في صباح بارد من أيام الشتاء، كانت هالة في طريقها لتوصيل ابنتها الكبرى إلى المدرسة ومعها طفلتها الصغرى «ليان». بعد إنزال البنت الكبرى أمام المدرسة، تذكّرت الأم أنها نسيت شراء حليب للصغيرة، فقررت التوقف سريعًا عند سوبرماركت قريب من البيت. المكان مألوف، والمنطقة سكنية هادئة، ومواقف السيارات أمام الباب مباشرة.

كانت ليان نائمة في الكرسي الخلفي ومربوطة بحزام الأمان. قالت هالة لنفسها: «مش هصحّيها علشان ما تعيّطش، هانزل دقيقتين وأرجع، العربية مقفولة والأبواب مؤمَّنة»، فأغلقت السيارة بالمفتاح عن بعد، وتوجهت إلى الداخل لتشتري ما تحتاجه.

داخل السوبرماركت، اضطرت للانتظار في طابور قصير أمام الكاشير، تأخر أكثر مما توقعت بسبب مشكلة في الدفع مع أحد الزبائن. مرّت خمس دقائق، ثم سبع، حتى خرجت وهي تشعر بتوتر خفيف لأنها تركت طفلتها في السيارة رغم أن الجو بارد وليس حارًا.

بلاغ من سيدة أمريكية وفتح قضية «طفل وحيد داخل سيارة»

ما إن اقتربت هالة من سيارتها حتى فوجئت بدوريتين للشرطة تقفان بجوارها، وضابطين يتحدثان مع سيدة أمريكية تشير بيدها نحو السيارة. كانت ليان لا تزال نائمة، لكن المنظر من الخارج يبدو لطفلة صغيرة وحدها في مقعد السيارة، وأبواب مغلقة ولا يوجد أي بالغ قريب منها.

توجه أحد الضباط إلى هالة وسألها عن هويتها، وعن سبب ترك طفلة بهذا العمر بمفردها داخل السيارة. حاولت أن تشرح بسرعة أن الجو بارد، وأنها أغلقت السيارة، وأنها ابتعدت دقائق فقط لشراء الحليب، لكن الضابط أوضح لها أن الأمر في القانون الأمريكي لا يتعلق بدرجة الحرارة فقط بل بفكرة ترك الطفل بدون إشراف بالغ، وبإمكانية حدوث أي طارئ في هذه الدقائق القصيرة.

دوّن الضابط بيانات هالة، ورخّصتها، وعنوان المنزل، وحرّر تقريرًا بالواقعة باعتبارها «بلاغًا عن طفل تُرك دون إشراف داخل مركبة». وبعد التأكد من أن الطفلة بخير، سمح لها بقيادة السيارة والعودة إلى المنزل، لكن مع جملة واحدة بقيت ترن في أذنها طوال اليوم: «من المحتمل أن تتواصل معك خدمات حماية الطفل قريبًا».

زيارة من خدمات حماية الطفل إلى المنزل

بعد أيام قليلة، وصلت إلى بيت هالة رسالة رسمية من دائرة خدمات حماية الطفل في الولاية، تبلّغها بفتح «تحقيق أولي» حول سلامة البيئة الأسرية للطفلة. بعد الرسالة بيومين، زار موظفان من الدائرة المنزل لمقابلة الأم والحديث عن الواقعة.

طرح الموظفان أسئلة تفصيلية: كم عمر الطفلتين؟ من يهتم بهما معظم الوقت؟ هل يوجد تاريخ سابق لأي بلاغات؟ هل تتركين الأطفال بمفردهم في البيت أو السيارة في ظروف أخرى؟ كما سألا الطفلة الكبرى عن شعورها في البيت، وما إذا كانت تخاف من شيء، أو سبق أن تُركت بمفردها لفترات طويلة.

كانت هالة مرتبكة لكنها متعاونة. شرحت أنها لا تضرب أطفالها، وأنها لم تكن تتصور أن دقائق معدودة في سيارة مغلقة يمكن أن تُعتبر «تعريضًا للخطر». سجّل الموظفان ملاحظاتهما، وأوضحا أن التحقيق في هذه المرحلة «تقييمي»، وأنه إذا لم يظهر ما يدعو للقلق فسيتم إغلاق الملف، لكنه سيظل مسجّلًا في أرشيف الدائرة لفترة زمنية معينة.

كيف ينظر القانون الأمريكي إلى ترك طفل داخل السيارة؟

في كثير من الولايات الأمريكية، ومن بينها نيوجيرسي، يمكن أن يُعتبر ترك طفل صغير بمفرده داخل سيارة مغلقة نوعًا من «الإهمال» أو «تعريض الطفل للخطر»، حتى لو كان الجو باردًا نسبيًا. السبب أن السيارة قد تتعرض لحادث، أو يتوقف المحرك فجأة، أو يعبث الطفل بحزام الأمان أو ناظر المقاعد، أو يتعرض لمحاولة سرقة سيارة بوجوده داخلها.

لا يوجد رقم واحد ثابت للدقائق المسموح بها، لأن التقييم يعتمد على عدة عوامل: عمر الطفل، حالة الطقس، المكان، مدى إمكانية رؤية السيارة من قِبَل الأب أو الأم، وهل الأبواب مقفولة أم لا. لكن القاعدة العامة التي تتعامل بها الشرطة وخدمات حماية الطفل هي أن «الطفل الصغير يجب أن يكون تحت إشراف مباشر لشخص بالغ في كل الأوقات».

ماذا كان يمكن أن يحدث في أسوأ السيناريوهات؟

في حالات أخرى مشابهة، قد يتطور الأمر إلى تهم جنائية أو إجراءات أشد إذا حدث أي ضرر للطفل أو إذا كرر الأهل نفس السلوك بعد تحذير رسمي. من بين العواقب المحتملة في أسوأ الظروف:

  • فتح ملف دائم لدى خدمات حماية الطفل مع زيارات دورية للمنزل.
  • إحالة الأهل إلى برامج إلزامية للتوعية بسلامة الأطفال.
  • توجيه تهمة «إهمال» أو «تعريض طفل للخطر» قد تؤثر على السجل الجنائي.
  • استخدام هذه الوقائع لاحقًا في أي نزاع حضانة أو قضايا أسرية.

دروس مهمة للأسر العربية في أمريكا

قصة هالة، التي انتهت في النهاية بإغلاق الملف بعد تحذير رسمي فقط، تكشف عن فجوة كبيرة بين ما يعتبره الكثير من الأهل في بلادنا «أمرًا عاديًا» وبين ما يراه القانون الأمريكي «خطرًا غير مقبول». خمس دقائق أمام السوبرماركت قد تبدو بسيطة، لكنها في نظر القانون كافية لفتح تحقيق كامل حول قدرة الأسرة على حماية أطفالها.

لهذا ينصح المحامون وخبراء شؤون الأسرة في أمريكا الأهل المهاجرين بما يلي:

  • عدم ترك أي طفل صغير بمفرده داخل السيارة مهما كانت مدة الغياب قصيرة.
  • إذا اضطررت للنزول، اصطحب الأطفال معك أو ألغِ المشوار تمامًا.
  • تذكّر أن أي شخص في الشارع يمكنه الاتصال بالشرطة إذا شعر بقلق على طفل، وأن السلطات ملزمة بالتحقيق.
  • احرص على فهم قوانين ولايتك المتعلقة بحماية الطفل، واسأل مختصًا إذا لم تكن متأكدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى