الجالية العربية

مهاجرة عربية في أمريكا تتورّط في الزواج من صديقتها ظنًا منها أنها تنقذها !

في إحدى المدن الجامعية على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، تعيش نسرين، شابة عربية في أواخر العشرينات، حصلت قبل سنوات على بطاقة الإقامة الدائمة (الجرين كارد) من خلال زواج سابق استقرّ قانونياً ثم انتهى بالطلاق. تعمل نسرين في مجال الرعاية الصحية المنزلية، وتشارك السكن مع صديقتها المقرّبة سلمى، شابة عربية أخرى جاءت إلى أمريكا بتأشيرة دراسة، ثم تحوّلت حياتها إلى سلسلة من الأعمال الجزئية لدفع الأقساط والإيجار.

تكوّنت بين الشابتين صداقة عميقة تحوّلت مع الوقت إلى علاقة عاطفية سرّية، حافظتا عليها بعيداً عن أعين العائلة في بلديهما الأصليين في العالم العربي، تجنّباً لصدام مباشر مع خلفيات ثقافية ودينية محافظة، ولخوفهما من حكم المجتمع هناك.

انتهاء التأشيرة: لحظة تتحوّل فيها الصداقة إلى معادلة قانونية معقّدة

كانت سلمى تتابع دراستها في برنامج قصير بتمويل محدود، ومع ضغوط الحياة والعمل، تأخرت عن بعض المقررات، ثم فقدت أهليتها للاستمرار في البرنامج كما خسرَت جزءاً من دعمها المالي. عند زيارة لمكتب شؤون الطلبة، اكتشفت أن ملفها الدراسي لم يعد يضمن لها الحفاظ على وضعها القانوني، وأن تأشيرتها مهددة بالانتهاء دون بديل واضح.

مع اقتراب موعد انتهاء الإقامة، بدأت الرسائل تصل إلى بريدها الإلكتروني تذكّرها بأن عليها إمّا تعديل وضعها أو مغادرة البلاد خلال فترة محدودة، وإلا أصبحت مخالفة لقوانين الهجرة ومعرّضة لإجراءات ترحيل إذا تم توقيفها أو عند محاولة العودة مستقبلاً.

في تلك الفترة، تحوّل القلق إلى رعب حقيقي؛ فعودة سلمى إلى بلدها العربي تعني بالنسبة لها أكثر من مجرد تغيير بلد: تعني مواجهة عائلة لا تعرف شيئاً عن حياتها في أمريكا، وعن استقلالها، ولا عن علاقتها العاطفية التي نسجتها هنا بعيداً عن كاميرات الأقارب ونصائحهم الثقيلة.

الاقتراح الخطير: «نتزوج على الورق… ونفتح باب أمل»

في إحدى الليالي، جلستا في غرفة المعيشة الصغيرة، تحيط بهما أصوات المدينة من خلف النافذة. وضعت سلمى رسالة التنبيه بشأن انتهاء التأشيرة على الطاولة، وقالت بصوت متهدّج:

«لو رجعت بلدي، مش هرجع أمريكا تاني… وأهلي مش هيسمحوا لي أعيش الحياة اللي اخترتها هنا. مافيش حل تاني؟».

نسرين، وقد جرّبت سابقاً إجراءات الهجرة، فكّرت بصوت عالٍ: «القانون هنا يسمح إن شخص معاه جرين كارد يقدّم لزوجته/زوجها علشان ياخد إقامة، حتى لو الزواج بين شخصين من نفس الجنس. بس الموضوع مش سحري، خصوصاً لو اللي هيتقدَّم له الطلب خلاص قرب يطلع من وضعه القانوني أو خرج منه فعلاً».

شرحت لنفسها ولسلمى أن بإمكانهما – من الناحية النظرية – عقد زواج مدني، ثم تتقدّم نسرين بطلب لمّ شمل كسيدة مقيمة دائمة، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن سلمى ستتمكن من تعديل وضعها من داخل أمريكا بسهولة، خصوصاً مع تهديد تأشيرتها. ومع ذلك، بدا الزواج في نظرهما «باباً قانونياً محتملاً» أفضل من لا شيء، فقررتا السير في هذا الطريق مع وعي بأن الخطر لن يختفي بالكامل.

بالنسبة لهما، لم يكن الزواج مجرد ورقة؛ العلاقة بينهما حقيقية، لكنهما أدركتا أن إقناع قانون الهجرة بهذه الحقيقة قصة أخرى تماماً.

قانون الهجرة لا يمزح: مقابلات، أدلّة، وشبهات «زواج لأغراض الهجرة»

تقدّمت نسرين بطلب لضمّ سلمى كزوجة على ملفها، باعتبارها حاملة للجرين كارد. اكتشفتا سريعاً أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، وأن ملفات الزواج في الهجرة الأمريكية تخضع لتدقيق شديد، خاصة عندما يكون أحد الطرفين مهدداً بانتهاء التأشيرة، أو عندما تبدو الظروف المالية والسكنية متواضعة وغير مستقرة.

طُلب منهما تقديم أدلة على الحياة المشتركة: عقد إيجار يحمل الاسمين، حساب مشترك، صور من مناسبات وعطلات، رسائل، وفواتير مشتركة. من الناحية العملية، كان بإمكانهما توفير جزء من هذه الأدلة بسهولة، لأنهما تعيشان فعلاً معاً، لكن القلق الأكبر كان من مقابلة الهجرة، حيث يطرح الموظف أسئلة تفصيلية عن تفاصيل الحياة اليومية، قد تفضح طبيعة العلاقة أمام أي قريب يطّلع لاحقاً على الأوراق أو التفاصيل.

بالتوازي، طلبت عائلتاهما في البلدين العربيين توضيحاً لـ«السكن المشترك»، ولماذا لا تتزوج أيّ منهما «زواجاً عادياً» كما يقولون. كانت الإجابات المرسلة عبر مكالمات الفيديو والرسائل مليئة بالالتفاف، محاولةً الحفاظ على سرية العلاقة وعدم فتح معركة ثقافية ودينية مع العائلة.

في خلفية المشهد، كان هناك هاجس قانوني آخر: الزواج الذي يهدف أساساً إلى إنقاذ وضع الهجرة دون حياة مشتركة حقيقية يمكن أن يُعتبر احتيالاً على قانون الهجرة، ويعرّض الطرفين لعقوبات قاسية. بالنسبة لنسرين وسلمى، العلاقة كانت حقيقية بالفعل، لكنهما كانتا تعلمان أن قناعة الموظف أو القاضي لن تُبنى على الكلام فقط، بل على التماسك بين القصة والأدلة والظروف المحيطة.

صورة واحدة على إنستغرام تشعل عاصفة عائلية

في لحظة اندفاع، نشرت إحدى صديقات نسرين صورة من حفل زفاف مدني هادئ في قاعة البلدية، ظهرت فيها نسرين وسلمى وهما تتبادلان الابتسامة أمام موظف الزواج، دون تفاصيل واضحة عن طبيعة العلاقة. كانت الصورة موجهة بالأصل لدائرة الأصدقاء المقربين في أمريكا، لكن أحد الأقارب في الخارج شاهدها، ثم نقلها إلى الأسرة في البلدين العربيين مع تعليق لا يترك مجالاً للشك.

خلال ساعات، تحوّل هاتف نسرين إلى سيل من الاتصالات والرسائل:

  • اتهامات بـ«الفضيحة» و«تشويه سمعة العائلة».
  • تهديدات بقطع العلاقة نهائياً إذا لم «تُصحّح الخطأ».
  • وعود بعدم السماح لها برؤية والديها إذا عادت في زيارة دون أن «تفك هذا الارتباط».

سلمى بدورها تلقت رسائل غاضبة من أفراد عائلتها، بين من يتهمها بأنها «استُغلت» في زواج لا تفهم أبعاده، ومن يلمّح إلى أنه سيبلغ السلطات أو السفارة إذا استمرت في هذا الطريق.

في لحظة واحدة، اصطدمت الشابتان بجدارين في آن واحد:

  • جدار القانون الأمريكي الذي يراقب ملفات الزواج بدقة، ويمكن أن يشك في أي تناقض في أقوالهما أو أدلتهما.
  • وجدار العائلة والمجتمع الذي يرى في هذه العلاقة خرقاً لكل ما اعتاد عليه، ويهدّد باستخدام سلاح الفضائح والضغط المعنوي.

الابتزاز العائلي والخوف من البلاغات: عندما يصبح القانون سلاحاً في يد الأقارب

بدأ بعض أفراد العائلة يلوّح بسلاح خطير: التهديد بإبلاغ السفارة أو حتى كتابة بلاغ إلى سلطات الهجرة في أمريكا يدّعي أن الزواج «مجرد تمثيلية للحصول على الإقامة». ورغم أن هؤلاء الأقارب لا يعيشون داخل الولايات المتحدة، فإن مجرد إرسال شكوى أو رسالة قد يضيف طبقة إضافية من التدقيق على الملف.

وجدت نسرين نفسها في موقف مستحيل: إن حاولت إرضاء العائلة وإنهاء الزواج، قد تخسر سلمى ووضعها القانوني، وقد تعتبر السلطات ذلك دليلاً على أن الزواج كان هدفه الهجرة فقط. وإن تمسّكت بالعلاقة، تخاطر بفقدان شبكة الدعم العائلية وبالعيش تحت تهديد دائم من بلاغات كيدية ومعلومات مغلوطة تصل إلى الجهات الرسمية.

استشارة محامٍ: الزواج خطوة مهمة… لكنه ليس مفتاحاً سحرياً

استشارت الشابتان محامياً متخصصاً في قضايا الهجرة، شرح لهما بصراحة أن النظام الأمريكي لا يهتم كثيراً بقناعات العائلة بقدر اهتمامه بالحقائق القانونية والأدلة:

أوضح لهما أن المشكلة الأساسية ليست في كون زواجهما من نفس الجنس، فالقانون الفيدرالي يعترف بهذا النوع من الزواج في ملفات الهجرة، وإنما في وضع سلمى القانوني: فهي زوجة لمقيمة دائمة، وليست زوجة لمواطنة أمريكية. وهذا الفارق مهم؛ لأن القانون يمنح مساحة أوسع بكثير للأزواج «الأقارب المباشرين» للمواطنين مقارنةً بأزواج المقيمين الدائمين، خاصة في مسائل تجاوز مدة الإقامة أو الخروج من الوضع القانوني.

شرح المحامي أن الزواج قد يساعد في فتح ملف لمّ شمل، وقد يكون ورقة مهمة في المستقبل إذا حصلت نسرين على الجنسية، لكنه لا يلغي تلقائياً مخالفة الإقامة، ولا يمنح سلمى حصانة فورية من الترحيل أو حقاً مضموناً في تعديل وضعها من داخل أمريكا. بكلمات أخرى: الزواج خطوة قانونية ذات قيمة، لكنه ليس «زر طوارئ» ينقذ وضع الهجرة من اللحظة الأولى.

نصح المحامي نسرين وسلمى بالتركيز على بناء ملف واضح وصادق، والابتعاد عن الكذب أو تلفيق القصص، وعدم الرد على الابتزاز العائلي بتهديدات مماثلة. وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة حماية نفسيهما من أي تهديد أو تحريض قد يصل إلى مستوى الخطر الشخصي، سواء في أمريكا أو عند زيارة البلد الأصلي، وذكّرهما بأن لهما حقوقاً قانونية إذا تحوّل الضغط العائلي إلى تهديد حقيقي.

دروس توعوية للجاليات العربية: بين حرية الاختيار ومخاطر اللعب بورقة الزواج

هذه القصة، بكل ما تحمله من تعقيد، تضع عدداً من الأسئلة الصعبة أمام الجاليات العربية في أمريكا، وتكشف عن تداخل قانون الهجرة مع القيم العائلية والاجتماعية:

  • أولاً: الزواج لأغراض الهجرة مخاطرة حقيقية
    حتى عندما تكون هناك علاقة عاطفية حقيقية، فإن استخدام الزواج كـ«حل سريع» لمشكلة التأشيرة قد يعرّض الطرفين لشبهات جدية إذا لم تكن الحياة المشتركة واضحة ومستمرة. السلطات لا تحاسب على المشاعر، بل على الأدلة والوقائع، وقد تنظر لأي تناقض باعتباره مؤشراً على الاحتيال.
  • ثانياً: العائلة يمكن أن تتحوّل إلى مصدر ضغط أو ابتزاز
    بعض الأقارب – بدافع الخوف أو الغضب أو الرغبة في السيطرة – قد يستخدمون سلاح البلاغات أو التهديد بفضح الحياة الخاصة، ما يضع الأبناء في وضع دفاعي دائم. الرد لا يكون بالمزيد من الأسرار والكذب، بل بالوعي القانوني، وطلب الاستشارة المتخصصة، ووضع حدود واضحة لتدخّل العائلة في الحياة الشخصية.
  • ثالثاً: السوشيال ميديا ليست مساحة آمنة تماماً
    صورة واحدة أو منشور عابر يمكن أن يخرج من دائرة الأصدقاء المحليين ليصل إلى العائلة في بلد آخر، ويشتعل حوله نقاش وضغوط وتهديدات. في قضايا حساسة كهذه، يجب التفكير مرتين قبل نشر أي مادة قد تُستخدم لاحقاً في سياق مختلف تماماً عن نية صاحبها.
  • رابعاً: استشارة محامٍ ليست رفاهية
    قضايا الزواج والهجرة من أكثر الملفات تعقيداً في القانون الأمريكي. الاعتماد على «تجارب الأصدقاء» أو «نصائح الجروبات» قد يقود إلى أخطاء لا يمكن إصلاحها. وجود محامٍ مختص من البداية يساعد على تجنّب الخطوط الحمراء، سواء في الإجراءات أو في طريقة تقديم القصة للسلطات.
  • خامساً: حماية النفس من التهديدات النفسية والجسدية واجبة
    إذا تحوّل الخلاف العائلي إلى تهديد صريح بالعنف أو بالقتل أو بالتحريض، فإن من يعيش في أمريكا له حقوق في الحماية القانونية، ويمكنه اللجوء للشرطة أو لمنظمات حقوقية متخصصة، بغضّ النظر عن الموقف الثقافي أو الديني للعائلة تجاه اختياراته الشخصية.

في النهاية، تعكس قصة نسرين وسلمى واقعاً يعيشه كثير من العرب في المهجر، حيث تتقاطع ملفات الهجرة والزواج والهوية والحرية الفردية في مساحة ضيقة مليئة بالمخاطر القانونية والإنسانية. الوعي بالقانون، واحترام النفس، ووضع حدود واضحة لتدخل الآخرين في الحياة الخاصة، تبقى عناصر أساسية لحماية المهاجرين من الوقوع في فخ قرارات سريعة قد يدفعون ثمنها سنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى