أثارت عدة تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي أجري مؤخرا، القلق لدى بعض ساسة الاتحاد الأوروبي ودفعتهم إلى التفكير في منظومة ردع نووية من غير الاعتماد على الحليف الوثيق الولايات المتحدة، فما صدى ذلك؟
مع بروز احتمالية أن يجد دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الأكثر إثارة للجدل والأكثر تشكيكا في جدوى حلف الناتو، طريقه مجددا إلى البيت الأبيض في حالة فوزه بولاية ثانية، يفكر قادة الاتحاد الأوروبي في كل شيء من القضايا المناخية وحتى الشراكات التجارية.
في حديث له خلال تجمع انتخابي في ولاية كارولينا الجنوبية بداية الأسبوع الحالي، زعم دونالد ترامب أنه أخبر دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال رئاسته، بأن الولايات المتحدة لن تدافع عن أي دولة تتعرض لهجوم من روسيا في حال تقاعسها عن الوفاء بالتزاماتها المالية حيال الحلف.
وقال ترامب: “وقف رئيس دولة كبيرة وقال: حسنًا يا سيدي، إذا لم ندفع وتعرضنا لهجوم من روسيا، هل ستحمينا؟ قلت: أنت لم تدفع، أنت متأخر عن السداد. قال: “نعم، لنفترض أن ذلك حدث”. (فقال ترامب) لا، لن أحميك”. وأضاف الرئيس الأمريكي السابق: “في الواقع، أود أن أشجعهم على فعل ما يريدون بحق الجحيم. عليك أن تدفع الأموال”.
وأعادت التصريحات التي أدلى بها ترامب، المرشح الأوفر حظا في نيل ترشيح الحزب الجمهوري لخوض السباق الرئاسي أواخر العام الجاري، القلق بشأن أمن الاتحاد الأوروبي إلى الواجهة.
وقد أخذت تصريحات ترامب حيزا كبيرا من مناقشات وزراء دفاع الناتو خلال اجتماعهم في بروكسل الخميس (15 فبراير / شباط).
وفي رد ضمني على ترامب، قال الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ إن الدول الأوروبية وكندا قد زادوا من ميزانيات دفاعهم بنسبة 11 في المائة في معدل غير مسبوق، منتقدا في الوقت نفسه التأخير الأمريكي في إقرار الدعم لأوكرانيا.
ولطالما انتقد ترامب الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو، الذين ينفقون على جيوشهم بمعدل أقل بكثير نسبيا عن واشنطن، فضلا عن إدلائه بتصريحات ساخرة عن استغلال التكتل الأوروبي “المجاني” لنظام أمني دولي بقيادة واشنطن.
قلق أوروبي
ورغم أن ترامب يُعرف عنه المبالغة والإثارة للجدل، إلا أن أصداء تصريحاته ترددت داخل أروقة غرف صُنع القرار في الاتحاد الأوروبي.
يأتي ذلك على الرغم من حقيقة أن ترامب لم يفز بعد بالانتخابات الأمريكية التي قد تحمل مفاجآت.
ويتعارض تهديد ترامب مع ميثاق الناتو والمادة الخامسة من معاهداته التي تنص على: “يتفق الطرفان على أن هجوما مسلحا ضد واحد أو أكثر منهم في أوروبا أو أمريكا الشمالية يجب أن يعتبر هجوما ضد كل الأعضاء”.
وقد شدد ستولتنبرغ على هذا الأمر، قائلا: “فكرة الناتو بأكملها تقوم على أن أي هجوم على حليف واحد سيؤدي إلى رد فعل من الحلف بأكمله، وما دمنا نقف وراء هذه الرسالة معا، فإننا نمنع أي هجوم عسكري على أي حليف”.
وأضاف “أي إيحاء بأن حلفاء الناتو لن يدافعوا عن بعضهم بعضا، يقوض أمن الحلف بأكمله ويعرض الجنود الأمريكيين والأوروبيين للخطر”.
وفي ضوء تصريحات ترامب الأخيرة ومواقفه السابقة عندما كان يمسك بزمام الأمور في البيت الأبيض، يساور ساسة الاتحاد الأوروبي حالة قلق من أنهم قد لا يتمكنون من الاعتماد على الولايات المتحدة في حالة خسارة الرئيس جو بايدن السباق الرئاسي لصالح ترامب.
ويرجع الخوف إلى ترسانة واشنطن النووية الضخمة في أوروبا. ورغم أن المعلومات سرية، فقد قدر الخبراء أن الولايات المتحدة كان لديها حوالي 3700 رأس حربي العام الماضي، مع حوالي 100 قنبلة متمركزة في قواعد عسكرية في ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وتركيا.
وبعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، أصبحت فرنسا الدولة العضو الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية خاصة بها.
وفي مقابلة مع صحيفة “تاغس شبيغل” الألمانية الأسبوع الماضي، قالت كاتارينا بارلي، نائبة رئيس البرلمان الأوروبي، إنه “بالحكم على تعليقات ترامب الأخيرة، فيمكن القول بأنه لا يمكننا الاعتماد على ذلك بعد الآن”.
وردا على سؤال حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى قنابل نووية خاصة به في طرح يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره حلما بعيد المنال أو كابوسا في أعين البعض، أجابت بارلي بقولها: “إننا في طريقنا إلى جيش أوروبي. يمكن أن يُطرح هذا الأمر أيضا للنقاش”.
“قنبلة أوروبية”…مسار طويل
وتثير قضية السلاح النووي انقساما كبيرا في الاتحاد الأوروبي. وتعد فرنسا الدولة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، التي تمتلك سلاحا نوويا فيما وقعت ثلاثة دول من التكتل وهي النمسا وأيرلندا ومالطا على معاهدة الحظر النووي التي تم اعتمادها عام 2017 ودخلت حيز النفاذ عام 2021.
وتنص هذه المعاهدة على فرض حظر شامل على الأسلحة النووية، حيث يلتزم الموقعون بعدم تطوير الأسلحة النووية أو اختبارها أو إنتاجها أو اقتنائها أو امتلاكها أو تخزينها أو استخدامها، أو حتى التهديد باستخدامها.