تشير أحدث التقارير الاقتصادية إلى بوادر تباطؤ في نمو اقتصاد مدينة نيويورك، على الرغم من بقاء بعض المؤشرات الإيجابية. فقد كشف تقرير لمكتب مراقب الدولة في نيويورك أن عائدات ضريبة المبيعات المحلية للمدينة ارتفعت بنسبة 2.8% فقط في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، مما يمثل تباطؤًا ملحوظًا إذ يعد هذا المعدل أقل من نصف متوسط معدل النمو السنوي خلال فترة ما قبل الجائحة. ويعتبر هذا النمو المتواضع في الإيرادات الضريبية الأبطأ منذ عام 2020 الذي شهد تبعات الجائحة. يثير ذلك مخاوف بشأن زخم الانتعاش الاقتصادي في المدينة مع دخول عام 2025، خاصة في ظل استمرار التضخم في الضغط على تكاليف المعيشة.
بحسب التقرير الرسمي، سجلت مدينة نيويورك إجمالي 23.4 مليار دولار من ضرائب المبيعات في 2024، بزيادة 1.6% فقط على مستوى الولاية. هذا التباطؤ يُعزى جزئيًا إلى عودة الإنفاق الاستهلاكي إلى وتيرة طبيعية بعد انتعاش غير اعتيادي في السنوات التي تلت الجائحة. كما ساهمت معدلات التضخم في تقليص القوة الشرائية للأسر؛ إذ أفاد مكتب المراقب المالي للمدينة بأن إيجارات السكن في منطقة نيويورك ارتفعت بمعدل 5.4% خلال العام الماضي، ما جعل الإسكان أحد أبرز عوامل التضخم محليًا. في المقابل، يشير الاقتصاديون إلى أن نمو التوظيف لا يزال مستمرًا وإن كان بوتيرة أبطأ؛ فقد أضافت المدينة نحو 78 ألف وظيفة خاصة خلال عام 2024 (بزيادة 1.9% عن العام السابق) لكن معظم هذه الوظائف تركزت في قطاعي الصحة والخدمات الاجتماعية، بينما شهدت قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا والبناء تراجعًا في الوظائف.
أوضح تقرير مراقب ولاية نيويورك أن تباطؤ ارتفاع الإيرادات الضريبية يستدعي الحذر في التخطيط المالي للمدينة. وجاء في التقرير أن هذا الارتفاع المتواضع “يمثل أدنى معدل نمو سنوي منذ الانكماش الناجم عن جائحة 2020، وأقل بكثير من متوسط النمو السنوي في فترة الانتعاش التي أعقبت الركود الكبير”. ويدعو التقرير المسؤولين المحليين إلى اعتماد توقعات واقعية تعتمد على المعدلات الأخيرة بدلاً من الافتراضات المتفائلة المبنية على طفرة ما بعد الجائحة. كذلك حذر خبراء الاقتصاد من عوامل خارجية قد تؤثر سلبًا على اقتصاد نيويورك في أوائل 2025، منها موجة برد قارس وعواصف ثلجية ضربت أجزاء واسعة من البلاد في يناير مما أدى لتراجع المبيعات التجزئة ونشاط السوق العقارية. كما أن السياسات التجارية على المستوى الفيدرالي تلقي بظلالها، حيث أثارت الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب مخاوف من ارتفاع الأسعار وضعف ثقة المستهلكين. هذه العوامل مجتمعة ترسم صورة ضبابية إلى حد ما لآفاق الاقتصاد في مدينة تعتبر قلب المال والأعمال في الولايات المتحدة.
هذا التباطؤ الاقتصادي وإن كان طفيفًا حتى الآن، إلا أنه ينعكس على الحياة اليومية لسكان نيويورك بما فيهم أبناء الجالية العربية. فاستمرار ارتفاع تكاليف الإيجار والمواد الأساسية يعني ضغوطًا على ميزانيات الأسر العربية التي تعيش في المدينة، لا سيما تلك ذات الدخل المتوسط أو المحدود. يقول أحمد، وهو صاحب متجر بقالة في منطقة أستوريا، إن تكلفة البضائع ارتفعت بسبب التضخم ورسوم الاستيراد مما جعله “يضطر لرفع الأسعار قليلًا كي لا يخسر” – وضع يمثل تحديًا لكل من التاجر والمستهلك على حد سواء. من جهة أخرى، هناك بارقة أمل في قطاع السياحة المتعافي الذي قد يخفف من حدة التباطؤ. تعمل آلاف العائلات من أصول عربية في مجالات مرتبطة بالسياحة والضيافة، من مطاعم ومقاهي وفنادق وخدمات سيارات أجرة. أي انتعاش في عدد الزوار والسائحين سينعكس إيجابًا على دخل هذه العائلات واستقرار وظائفها. وقد شهدت نيويورك بالفعل ارتفاعًا في أعداد الزوار العام الماضي؛ إذ استقبلت المدينة نحو 65 مليون زائر في 2024، وهو ثاني أعلى رقم في تاريخها بزيادة 3.5% عن العام السابق. هذا الانتعاش السياحي يدل على جاذبية نيويورك المستمرة ويساهم في ضخ عائدات كبيرة في الاقتصاد المحلي، ما قد يساعد في تعويض بعض جوانب التباطؤ الأخرى.
يراقب صانعو السياسات ومسؤولو المدينة عن كثب المؤشرات الاقتصادية مع بداية 2025 لضمان الحفاظ على زخم التعافي وتفادي الدخول في ركود. وتعتزم إدارة المدينة، بالتعاون مع ولاية نيويورك، التركيز على إجراءات لدعم الأعمال الصغيرة وجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل في قطاعات متنوعة لتوسيع قاعدة الاقتصاد المحلي. كما يُتوقع أن يستمر قطاع السياحة والفعاليات الكبرى – كعروض برودواي والمهرجانات – في لعب دور مهم في إبقاء نيويورك نابضة اقتصادياً. بالنسبة للجالية العربية، يشكل المناخ الاقتصادي الحالي حافزًا لمواصلة ريادة الأعمال ودعم بعضهم البعض عبر شبكات المجتمع المحلي. ويأمل الجميع أن يتواصل النمو المعتدل دون مفاجآت سلبية، خاصة مع اقتراب أشهر الربيع والصيف التي عادة ما تشهد إنفاقًا واستهلاكًا أكبر. وإذا استقرت معدلات التضخم وتحسنت ثقة المستهلكين، فقد تستعيد نيويورك شيئًا من بريق نموها الاقتصادي المعتاد مع نهاية هذا العام.