في زمن السوشيال ميديا والقلق المتزايد من حوادث إطلاق النار في المدارس الأمريكية، أصبحت أي كلمة أو صورة تحمل إيحاء بالعنف سببًا كافيًا لفتح تحقيق فوري. في هذه القصة التحذيرية، التي تعكس وقائع مشابهة حدثت بالفعل في أكثر من ولاية أمريكية، نروي حكاية مراهق عربي كتب «مزحة» على هاتفه، فوجد نفسه فجأة في غرفة تحقيق، ووالداه في حالة صدمة لا يصدّقان كيف تحوّلت رسالة عابرة إلى ملف جنائي قد يؤثّر على مستقبله الدراسي ووضع الأسرة القانوني في الولايات المتحدة.
رسالة قصيرة على «سناب شات» تقلب حياة أسرة عربية
أحمد ، شاب عربي في السادسة عشرة من عمره، يدرس في مدرسة ثانوية في إحدى ضواحي نيويورك. مثل معظم أقرانه، يقضي جزءًا كبيرًا من وقته على تطبيقات مثل «سناب شات» و«إنستغرام» و«تيك توك»، يتبادل النكات والمقاطع مع أصدقائه. في ليلة امتحان صعب، امتلأت مجموعة الأصدقاء على سناب شات برسائل التذمر من الدراسة، فكتب أحمد – على سبيل المزاح – جملة بالإنجليزية من نوع:
«Tomorrow we blow this school up 😂💥»
مع إيموجي ضاحك ورمز انفجار، ظنًا منه أنها مجرد مبالغة ساخرة تعبّر عن توتره من الامتحان.
أحد الطلاب في المجموعة – ليس من الدائرة المقرّبة لأحمد – شعر بالقلق من الرسالة، خاصة مع حساسية موضوع العنف المدرسي في أمريكا، فأخذ لقطة شاشة (Screenshot) وأرسلها إلى والديه، اللذين تواصلا بدورهما مع إدارة المدرسة. خلال ساعات قليلة، كانت الرسالة قد وصلت إلى مكتب مدير المدرسة ومسؤول الأمن فيها.
من «مجرد مزحة» إلى حضور الشرطة وتفتيش المنزل
في صباح اليوم التالي، تم استدعاء أحمد من داخل الفصل إلى مكتب الإدارة. وجد في انتظاره المدير، ومسؤول الأمن، وضابط شرطة من قسم الأحداث (Juvenile). وُضعت أمامه صورة الرسالة، وسُئل عن معناها. حاول أن يشرح أنها «نكتة» وأنه لم يقصد حرفيًا ما كتب، لكنه فوجئ بأن الأمر لم يعد يُنظر إليه كمزاح بسيط، بل كـتهديد محتمل يجب التعامل معه بجدية وفق سياسة «عدم التسامح مع أي تهديد» المعمول بها في معظم المدارس الأمريكية.
لاحقًا في اليوم نفسه، تلقى والدا أحمد اتصالًا من الشرطة للحضور فورًا إلى المدرسة، ثم رافق الضباط الأسرة إلى المنزل لتفتيش غرفته والتأكد من عدم وجود سلاح أو مواد خطرة، مع فحص جهاز الكمبيوتر والهاتف المحمول بحثًا عن رسائل أو صور أخرى قد تدعم أو تنفي خطورة التهديد. ورغم أن التفتيش لم يسفر عن أي شيء مقلق، فقد تم فتح محضر رسمي بالواقعة.
تحقيقات، وسجل أحداث، وإيقاف عن الدراسة
بموجب قوانين الولاية وسياسة المنطقة التعليمية، تم اعتبار ما كتبه أحمد «تهديدًا محتملًا» للأمن المدرسي، حتى وإن قال إنه كان يمزح. ترتّب على ذلك:
- إيقافه مؤقتًا عن الدراسة لبضعة أيام ريثما تنتهي التحقيقات.
- إحالة الملف إلى لجنة انضباط داخل المدرسة، للنظر في إمكانية نقله أو فصله لفصل دراسي كامل.
- فتح ملف في شرطة الأحداث بتهمة توجيه تهديد مكتوب ضد مؤسسة تعليمية، وهي تهمة قد تُصنَّف في بعض الولايات كجُنحة (Misdemeanor) وربما كجريمة أشد في ظروف معينة.
الأكثر صدمة بالنسبة للوالدين أن المحامي الذي استشاراه حذّرهما من أن أي إدانة، حتى لو كانت بسيطة، يمكن أن تُسجَّل في سجل أحمد الجنائي كحدث (Juvenile Record)، وقد تُطلب لاحقًا في طلبات الدراسة الجامعية أو التوظيف، كما قد تُؤخذ في الاعتبار في أي ملف هجرة أو تجنيس للأسرة إذا لم يكن جميع أفرادها مواطنين بعد.
قلق مضاعف: ماذا عن وضع الأسرة كمهاجرين؟
والدا أحمد، اللذان يعيشان في أمريكا بصفة دائمة على بطاقة «جرين كارد»، شعرا برعب إضافي عندما علموا أن بعض المخالفات الجنائية قد تؤثّر على ملفات الهجرة في حالات معيّنة، خصوصًا إذا تكررت أو ارتبطت بالعنف أو التهديد باستخدام السلاح. المحامي أوضح لهم أن هذه القضية وحدها قد لا تؤدي إلى ترحيل مباشر، لكنها:
- قد تظهر في خلفية أحمد الأمنية عند التقديم على الجنسية لاحقًا.
- وقد تُستخدم ضده إذا ارتكب أي مخالفة أخرى في المستقبل.
- وقد تجعل سلطات الهجرة تنظر إلى ملف الأسرة باعتباره «يحتاج إلى مزيد من المراجعة».
بالنسبة لأسرة عربية جاءت بحثًا عن الأمان والاستقرار، كانت فكرة أن «مزحة» على الهاتف قد تفتح هذا الباب من القلق، صدمة حقيقية لم يكونوا مستعدين لها.
الدرس القاسي: ما يكتب على الإنترنت لا يُعتبر «نكتة» أمام القانون
بعد أسابيع من المتابعة، تمكّن محامي الأسرة من التوصل إلى تسوية مع الادعاء، تقوم على تحويل القضية إلى برنامج تأهيل للشباب (Diversion Program)، يتضمّن حضور جلسات توعية، وكتابة اعتذار رسمي، والمشاركة في نشاط مجتمعي، مقابل إغلاق الملف وعدم تسجيل إدانة جنائية دائمة. ومع ذلك، بقيت الواقعة في سجلات المدرسة، واحتاجت الأسرة إلى وقت طويل لاستعادة ثقة الإدارة والمدرّسين، وتحمّل أحمد أثرًا نفسيًا وشعورًا بالذنب والخوف من تكرار أي خطأ مشابه.
هذه القصة،، تعكس واقعًا قانونيًّا لا يعرفه كثير من الأهالي: ما يُعتبر «مزحة» في ثقافتنا قد يُعامَل في النظام الأمريكي كتهديد جدّي يستدعي تدخل الشرطة والنيابة، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالمدارس والسلاح والعنف.
نصائح مهمة للأسر العربية في أمريكا
لحماية أبنائنا من الوقوع في مواقف مشابهة، يوصي خبراء التربية والقانون بعدد من الخطوات العملية:
- الحديث الصريح مع الأبناء عن حساسية موضوع العنف المدرسي في أمريكا، وأن أي كلام عن «تفجير» أو «إطلاق نار» أو «قتل» في سياق المدرسة ليس نكتة أبدًا، حتى لو كان مكتوبًا مع إيموجي ضاحك.
- مراقبة استخدام السوشيال ميديا بحكمة، مع الاتفاق على قواعد واضحة لما يجوز وما لا يجوز نشره أو مشاركته.
- تشجيع الأبناء على التعبير عن غضبهم وضغطهم من الدراسة أو من المعلمين بطرق آمنة، مثل الحديث مع الأهل أو المرشد المدرسي، بدلًا من كتابة عبارات متطرفة على الإنترنت.
- الاستعانة بمحامٍ مختص فورًا إذا استُدعي الطفل أو الطالب إلى تحقيق رسمي، وعدم الاستخفاف بأي اتصال من المدرسة يشير إلى احتمال وجود «تهديد» أو «سلوك مقلق» على السوشيال ميديا.
خاتمة: كلمة صغيرة قد تفتح بابًا كبيرًا من المتاعب
القصة ليست عن أحمد وحده، بل عن كل مراهق يعيش بين ثقافتين: ثقافة عربية اعتاد فيها على مبالغة الكلام والتهويل في المزاح، وثقافة أمريكية صارمة يعتبر فيها أي تلميح للعنف تهديدًا يجب التحقق منه فورًا. في هذا التباين قد تضيع حياة شاب ومستقبل أسرة بأكملها بسبب جملة لم تُكتب بحساب.





