عاد شبح الإغلاق الحكومي الجزئي (Partial Government Shutdown) إلى واشنطن، بعدما أبدى عدد من الديمقراطيين التقدميين اعتراضهم على مشروع قانون تمويل جديد، معتبرين أنه لا يضع قيودًا كافية على وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE – Immigration and Customs Enforcement).
وبحسب ما نُشر في تقارير أمريكية، فإن مفاوضين في الكونغرس طرحوا حزمة إنفاق (Spending Package) تُقدَّر بنحو 1.2 تريليون دولار، هدفها تمويل معظم مؤسسات الحكومة الفيدرالية وتفادي توقف جزئي عن العمل مع انتهاء التمويل المؤقت في 30 يناير 2026.
ما المقصود بإغلاق حكومي جزئي؟
الإغلاق الحكومي (Government Shutdown) يحدث عندما يفشل الكونغرس في تمرير قوانين المخصصات (Appropriations) أو أي تمديد مؤقت للتمويل، فتتوقف بعض الوكالات عن تقديم خدمات “غير أساسية”، بينما تستمر خدمات أخرى تُموَّل بطرق مختلفة أو تُعتبر ضرورية للأمن والسلامة. وغالبًا ما يعني ذلك إجازات إجبارية (Furloughs) لبعض الموظفين، أو استمرار العمل دون رواتب مؤقتًا حتى تُحل الأزمة.
ماذا يتضمن مشروع التمويل الجديد؟
المشروع المطروح عبارة عن “حزمة مجمّعة” تضم عدة قوانين مخصصات في نص واحد، ويُشار إلى هذا النوع أحيانًا باسم “مينيباص” (Minibus) عندما يجمع مجموعة من مشاريع الإنفاق بدل تمريرها منفصلة. وتشمل بنود التمويل وزارات وجهات فيدرالية متعددة، من بينها وزارة الأمن الداخلي (DHS – Department of Homeland Security) ووزارة الدفاع والصحة والخدمات الإنسانية والإسكان والتنمية الحضرية والنقل والعمل، مع تحرك متوقع في مجلس النواب للتصويت خلال أيام.
نقطة الخلاف الأساسية: تمويل ICE ودور الوكالة
وكالة ICE تتبع وزارة الأمن الداخلي (DHS) وتختص بإنفاذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة، بما يشمل الاحتجاز (Detention) والترحيل (Deportation) والتحقيقات المرتبطة بمخالفات الهجرة وبعض الجرائم العابرة للحدود. أما وكالة الجمارك وحماية الحدود (CBP – Customs and Border Protection) فتركز أكثر على الحدود والمنافذ.
ووفق ملخصات متداولة عن الحزمة، فإن تمويل ICE المقترح يقترب من 10 مليارات دولار للسنة المالية الحالية، مع تخصيص نحو 3.8 مليارات دولار لعمليات الاحتجاز والترحيل. ويقول مؤيدو الصفقة إن بعض بنود “الإنفاذ والإزالة” ستنخفض بمقدار 115 مليون دولار، بينما يبقى التمويل الإجمالي للوكالة قريبًا من مستواه السابق، وهو ما يراه معارضون غير كافٍ إذا كان الهدف “كبح” الوكالة أو تعديل سلوكها.
اعتراضات علنية من نواب وشيوخ.. ومخاوف من تكرار أزمة العام الماضي
مجموعة من المشرعين الديمقراطيين عبّروا علنًا عن تحفظاتهم، بينهم النائب براميلا جايابال (Pramila Jayapal) والسيناتور كريس فان هولِن (Chris Van Hollen) وآخرون، مطالبين بما يصفونه “ضمانات” (Guardrails) أقوى لمحاسبة ICE وCBP قبل تمرير التمويل. في المقابل، يدافع قادة الاعتمادات من الحزبين عن الاتفاق باعتباره خيارًا عمليًا لتفادي توقف خدمات حكومية حساسة ودفع رواتب الموظفين واستمرار عمل المؤسسات.
ويزداد ثقل هذا الخلاف لأن البلاد شهدت العام الماضي إغلاقًا مطولًا تسبب في اضطرابات واسعة، بينها تأثيرات على رواتب موظفين وخدمات ومساعدات، ما يجعل تصويت يناير اختبارًا سياسيًا حادًا داخل الحزب الديمقراطي، خصوصًا في ملف الهجرة الذي بات شديد الاستقطاب.
ما “الإصلاحات” التي يتضمنها المشروع؟
من بين البنود التي تُطرح كإجراءات رقابية: تخصيص 20 مليون دولار لكاميرات الجسم (Body Cameras) لعناصر إنفاذ قوانين الهجرة، وتوجيهات لتوحيد الزيّ (Standardized Uniforms) لعناصر إنفاذ القانون داخل البلاد باستثناء حالات العمل السري (Undercover). كما تتضمن الحزمة متطلبات تدريب إضافي على “خفض التصعيد” (De-escalation Training) لعناصر ICE وCBP العاملين داخل المدن، وتعليمات مرتبطة بحق الجمهور في تصوير التفاعلات مع عناصر إنفاذ القانون (Right to Record).
لماذا يحذّر المعارضون من “تمويل بلا محاسبة”؟
المعارضون يقولون إن إضافة كاميرات أو تقارير دورية لا تكفي وحدها، وإن المطلوب هو قيود قانونية واضحة تمنع تجاوزات مثل احتجاز مواطنين أمريكيين أو توسيع عمليات التوقيف بطريقة يرونها “عدوانية”، إضافة إلى شفافية أكبر حول كيفية استخدام الأموال. بعضهم يلمّح أيضًا إلى أن تمرير تمويل جديد دون شروط صارمة قد يعني عمليًا استمرار النهج الحالي حتى لو غضب جزء من القاعدة الديمقراطية.
ماذا يعني الإغلاق للناس عمليًا؟
أنصار تمرير التمويل يركزون على أن الخلاف لا يخص ICE وحدها: ففقدان التمويل قد يضغط على جهات مثل أمن المطارات (TSA – Transportation Security Administration) حيث قد يُطلب من الموظفين العمل دون رواتب مؤقتًا، كما قد تتأثر سرعة الاستجابة للكوارث عبر وكالة إدارة الطوارئ (FEMA – Federal Emergency Management Agency)، إضافة إلى تأثيرات محتملة على خفر السواحل الأمريكي (U.S. Coast Guard) وخدمات أخرى مرتبطة بالأمن والنقل والمساعدات.
ما الذي قد يحدث قبل 30 يناير؟
الأيام المقبلة ستحدد إن كانت اعتراضات التقدميين ستتحول إلى “كتلة مانعة” فعليًا، أم أن قيادة الحزب ستنجح في جمع أصوات كافية لتمرير الحزمة. في مجلس النواب، يراهن الجمهوريون على إمكانية تمرير المشروع حتى مع خسارة بعض الأصوات الديمقراطية بسبب هامش الأغلبية الضيق، بينما قد تلجأ القيادة في حال تعثر التصويت إلى خيار “قرار استمرار التمويل” (Continuing Resolution – CR)، وهو تمديد مؤقت يُبقي الحكومة تعمل لفترة قصيرة لكنه غالبًا يزيد التوتر السياسي لأن الأطراف تعتبره حلًا مرحليًا لا يعالج جوهر الخلاف.





