أثار ظهور اسم الطبيب الكندي-الأميركي بيتر عطية، المعروف إعلاميًا بكونه من أبرز الأصوات في طب إطالة العمر (Longevity medicine) وهو مجال يركز على الوقاية وتحسين سنوات الصحة قبل الشيخوخة، جدلًا واسعًا بعد نشر دفعة جديدة من وثائق مرتبطة بملف جيفري إبستين، تضمنّت رسائل إلكترونية قديمة بين الطرفين. الجدل لم يأتِ من “مجرد ذكر الاسم” فقط، بل من مضمون بعض العبارات التي اعتُبرت فجة وغير لائقة، ومن كون المراسلات استمرت بعد إدانة إبستين السابقة كـ“مجرم جنسي” في قضية فلوريدا عام 2008.
ما الذي ورد حرفيًا في المراسلات المتداولة؟
بحسب ما نشرته تقارير أميركية، تضمّنت الوثائق مراسلات تعود إلى عامي 2015 و2016 حملت نبرة “مجاملة وتهكّم” و”مزاحًا فاحشًا”. من أبرز ما تضمنته: رسالة عام 2016 استخدم فيها عطية عبارة جنسية صريحة باللغة الإنجليزية جاءت بصيغة ساخرة تربط بين “أحد الأعضاء الأنثوية” وبين نظام “الكربوهيدرات المنخفضة” (Low carb) وهو نظام غذائي يقلل النشويات لتحسين الوزن أو المؤشرات الصحية، وهي العبارة التي اعتُبرت مثالًا واضحًا على المزاح غير المقبول.
كما أظهرت الوثائق تبادلًا من عام 2015 بعنوان “وصلتني شحنة جديدة”، وردّ إبستين “وأنا أيضًا” مع صورة تم حجبها في النسخة المنشورة من الوثائق، ثم رد عطية بجملة اعتراض تحمل سبابًا واتهامًا ساخرًا. وفي الرسائل نفسها كتب عطية لإبستين ما معناه أن “المشكلة الكبرى في أن تصبح صديقًا لك” هي أن “حياتك فاضحة/صادمة لدرجة أنني لا أستطيع أن أحكي لأحد عنها”، وهي جملة اعتبرها منتقدون تلميحًا إلى إعجاب بأسلوب حياة إبستين بدلًا من النفور منه.
لماذا اعتُبرت هذه الرسائل “مُدينة” رغم عدم وجود اتهام جنائي؟
الانتقاد الأساسي لم يكن قائمًا على وجود اتهام رسمي لعطية بالمشاركة في جرائم إبستين، إذ تؤكد التقارير أنه “لم يُتهم بارتكاب مخالفات جنائية”. لكن المشكلة كانت في نقطتين واضحتين: أولًا أن المراسلات تحمل محتوى فاحشًا ومجاملة شخصية، وثانيًا أنها جاءت في سياق التواصل مع رجل كان معروفًا بسجل جنائي مرتبط بالاستغلال الجنسي، ما يجعل “سوء التقدير الأخلاقي” محور الاتهام الشعبي حتى لو لم توجد أدلة على جريمة.
ماذا قال عطية في دفاعه؟
بحسب ما نقلته التقارير، نشر عطية اعتذارًا مطولًا وصف فيه رسائله بأنها “محرجة، فجة، ولا يمكن الدفاع عنها”، وقال إنه يشعر بالخزي من مضمونها. وقدم تفسيرًا لبعض الرسائل، إذ قال إن عبارة “الشحنة الجديدة” كانت تعني صورة لدواء “ميتفورمين” (Metformin) وهو دواء للسكري من النوع الثاني يُستخدم طبيًا لضبط السكر، لكن بعض الأشخاص يستعملونه خارج الاستخدامات الأساسية بدافع تجريبي ضمن نقاشات “مكافحة الشيخوخة”، وأضاف أن صورة إبستين كانت لامرأة بالغة، وأنه تعامل مع الموقف حينها بوصفه “مزاحًا مراهقًا” وليس تلميحًا لشيء إجرامي.
وفي دفاعه أيضًا، قال عطية إنه لم يشارك في أي نشاط غير قانوني، وإنه لم يطِر على طائرة إبستين، ولم يزر جزيرته، ولم يحضر “حفلات جنسية”، مشيرًا إلى أنه قابل إبستين نحو 7 أو 8 مرات بين 2014 و2019 داخل منزل إبستين في نيويورك، وأن اللقاءات كانت -بحسب وصفه- مرتبطة بنقاشات حول أبحاث ولقاء أشخاص آخرين.
ما التداعيات المهنية التي ترتبت على الأزمة؟
تزامن الجدل مع إعلان انضمام عطية كمساهم/معلق في شبكة CBS News، ثم تصاعدت الضغوط بعد تداول الرسائل، ما دفع جهات إعلامية إلى إعادة النظر في التعاون معه، وتحدثت تقارير عن سحب/إيقاف إعادة عرض مادة تلفزيونية كانت مقررة عنه. وفي سياق موازٍ، أعلن أنه تنحّى عن دور قيادي في شركة أغذية/وجبات بروتينية كان مرتبطًا بها بوصفه مسؤولًا علميًا، كما أشارت تغطيات إلى إزالة اسمه وصورته من صفحات الشركة بعد تفجر الأزمة.
هل صحيح ما يُتداول على السوشيال ميديا عن اتهامات صادمة مثل “أكل لحوم البشر”؟
لا تظهر في التغطيات الإخبارية الأميركية التي تناولت هذه القضية أي اتهامات موثقة تتعلق بـ“أكل لحوم البشر” أو جرائم عنف مشابهة، كما أن جوهر القصة المنشور إعلاميًا يدور حول رسائل إلكترونية بنبرة فجة وعلاقة استمرت بعد إدانة إبستين السابقة، وليس حول اتهامات جنائية جديدة من هذا النوع. لذلك فإن نقل مزاعم شديدة الصدمة دون مستندات رسمية قد يحوّل القضية من نقاش حول “سوء تقدير” إلى تشهير غير قائم على وقائع.
الخلاصة للقارئ: ما الذي نعرفه بشكل مؤكد حتى الآن؟
المؤكد حتى الآن، وفق ما نشرته مؤسسات إعلامية أميركية، أن وثائق ملف إبستين تضمنت مراسلات قديمة بين عطية وإبستين تحمل عبارات فاحشة ومجاملات شخصية، وأن عطية اعتذر عنها علنًا واعتبرها غير قابلة للدفاع، مع نفيه لأي تورط جنائي أو زيارة للجزيرة أو استخدام طائرة إبستين. أما ما يتجاوز ذلك من اتهامات صادمة متداولة على مواقع التواصل، فلا تدعمه التقارير الإخبارية الأميركية المتاحة حول هذه الواقعة.






