تشهد إسرائيل منذ أسابيع تصاعداً في الأصوات النقدية التي تُحذر من اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "إنجازات كبرى" و"نصر متحقق"، وبين الواقع الميداني المعقد الذي يكشف استمرار قدرة الخصوم على الصمود وإعادة تنظيم صفوفهم. هذا الواقع يظهر أن الحملات العسكرية والإجراءات الأمنية لم تحقق الحسم المنشود، بل فرضت أثماناً متواصلة على الجبهة الداخلية.
ويتجاوز هذا النقد الأداء العسكري المباشر ليشمل منظومة الاستخبارات والسياسة التي تستند إليها إسرائيل في قرارات الحرب وتقديراتها للحسم. فالتجارب مع إيران ولبنان وقطاع غزة أظهرت أن التقديرات المتفائلة بشأن الردع ومبالغة في تقييم الضرر الذي ألحق بالخصم، إلى جانب افتراض أن الضربات القاسية ستؤدي سريعاً إلى انهيار الإرادة المعادية أو إسقاط النظام، لم تكن دقيقة.
وفي مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، انتقد الكاتب ناحوم برنيع خطاب "النصر العظيم" مؤكداً أن الوقائع تتناقض مع هذه المزاعم، مشيراً إلى استمرار سقوط الطائرات ونجاح الخصوم في إصلاح منظوماتهم والرد بصواريخ ومسيّرات. ورأى أن المشكلة تكمن أيضاً في طبيعة القيادة السياسية التي تستبدل التقييم الموضوعي بخطاب تعبوي موجه للجمهور، ما يحول الحرب إلى منصة لإنتاج أوهام ووعود غير واقعية.
من جهة أخرى، خلصت خبيرة الأمن القومي شيرا بارابيباي شاحام إلى أن الإخفاق في التقدير ليس حادثة عابرة بل نمط متكرر، حيث تبالغ الأجهزة الإسرائيلية في تقدير الردع وحجم الضرر الذي يلحق بالخصم، وتخطئ في فهم نواياه وقدرته على استعادة قواه بسرعة. وهذا ما تكرر مع حماس قبل أكتوبر 2023، ومع حزب الله بعد حرب 2024، وأيضاً في الصراع مع إيران.
وترى التحليلات أن إسرائيل تميل إلى قراءة سلوك خصومها من زاوية رغباتها وتوقعاتها، متجاهلة السياقات الداخلية للخصم، مما يؤدي إلى أخطاء في التقييمات واستنتاجات غير دقيقة حول تأثير الضربات على القرار السياسي والعسكري للخصم، وهو ما يعيد طرح التساؤل حول فعالية الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في مواجهة التحديات الإقليمية.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!