في صباح باكر من عام 2019، صعد شاب يدعى زاك بريتلر (Zac Brettler) إلى شرفة شقة فاخرة في الطابق الخامس بوسط لندن وقفز باتجاه المياه السوداء لنهر التايمز. لم يصل إلى النهر. اصطدم وركه بالجسر وانتهى به الأمر وجهه في الوحل على ضفة النهر، حيث عثر على جثته أحد المارة بعد الفجر.
كان بريتلر يبلغ من العمر 19 عاماً فقط، وهو خريج حديث من مدرسة خاصة باهظة الثمن، وحفيد حاخام لندني مشهور. الشقة التي قفز منها كانت تقدر قيمتها بأكثر من 5 ملايين دولار، مملوكة لأميرة سعودية ويسكنها رجل عصابات لندني مخيف يُدعى ديف شارما (Dave Sharma).
حياة مزدوجة ومليارات وهمية
كان بريتلر يعيش حياة مزدوجة. فقد أقنع شارما بأنه «زاك إسماعيلوف» (Zac Ismailov)، ابن قطب روسي وهمي، وأنه على وشك وراثة أكثر من 270 مليون دولار. وقبل وفاة بريتلر بوقت قصير، اكتشف شارما أن الفتى خدعه.
هذه هي القصة التي يفتتح بها الكاتب باتريك رادن كيف (Patrick Radden Keefe) كتابه الجديد المثير «لندن المتداعية: وفاة غامضة في مدينة مذهبة وبحث عائلة عن الحقيقة» (London Falling: A Mysterious Death in a Gilded City and a Family's Search for Truth).
كان لدى شرطة لندن الحضرية ووالدي بريتلر - اللذين لم يعرفا شيئاً عن الهوية المزيفة لابنهما - أسئلة كثيرة. من بينها: هل انتحر بريتلر أم أنه قفز محاولاً إنقاذ نفسه؟
لندن كصندوق ودائع للأثرياء
كيف، وهو كاتب في مجلة «نيويوركر»، خبير في استخدام الجرائم الحقيقية كوسيلة لاستكشاف الأمراض الاجتماعية والسياسية. على السطح، يوثق «لندن المتداعية» تحقيق عائلة بريتلر في وفاة ابنهم ولغز حياته. لكنه أيضاً رحلة إلى عالم سفلي حضري.
معظم زوار لندن يرون واجهة من القصور الملكية القديمة والحانات العتيقة ومسارح الويست إند. لكن المدينة الحديثة مكان مختلف. على مدى عقود، أصبحت لندن صندوق ودائع آمن للأثرياء العالميين لإخفاء ثروات غير مبررة، غالباً في منازل بملايين الدولارات تبقى مظلمة وفارغة معظم أيام السنة.
طموحات إنستغرام ووالتر ميتي
بينما تتعمق عائلة بريتلر في الحياة السرية لابنهم، يدركون أن لندن ليست فقط العاصمة الثقافية اللامعة التي اعتقدوها، بل نقطة ساخنة لغسيل الأموال، وكما يكتب كيف، «مدينة مليئة بالمحتالين الذين يدّعون الشرعية».
تقول روشيل، والدة زاك، لكيف: «هذا العالم الكامل الذي لم نعرف عنه شيئاً، هذا العالم السفلي الموجود على عتبة بابنا».
كان زاك شاباً متخيلاً بطموح مدفوع بإنستغرام لتجاوز العمل الشاق والنجاح التقليدي ليصبح لاعباً كبيراً. عائلة بريتلر لم تكن فقيرة - والد زاك يعمل في التمويل، ووالدته تكتب لمجلة «كيف تنفق المال» التابعة لفاينانشيال تايمز. سيارة العائلة كانت مازدا، لكن زاك كان يحلم ببوغاتي فيرون.
يحكي كيف محادثة قال فيها زاك لصديق في المدرسة، في إشارة إلى ثروة والده: «هذا ليس كافياً. أريد أن أكون أكبر».

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!