احتفل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالذكرى السنوية الـ77 لتأسيسه وسط تساؤلات متجددة حول التزام الولايات المتحدة بالحلف، في أعقاب جولة جديدة من الانتقادات من الرئيس دونالد ترامب التي أثارت قلق الحلفاء في وقت تتسع فيه الصراعات العالمية.
تأسس حلف الناتو عام 1949 في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتوفير الدفاع الجماعي لأعضائه، وربط الولايات المتحدة بأمن أوروبا من خلال نظام مصمم لردع العدوان ومنع اندلاع حرب قارية أخرى. وفي قلب الحلف تقع المادة الخامسة، وهي بند الدفاع المتبادل الذي ينص على أن الهجوم على عضو واحد يعتبر هجوماً على الجميع.
انتقادات ترامب تثير قلق الحلفاء
تصل الذكرى السنوية الأخيرة للحلف وسط شكوك مفتوحة بشكل غير اعتيادي من أقوى أعضائه. انتقد ترامب خلال الأسابيع الأخيرة حلفاء الناتو لرفضهم المساعدة في الجهود الأميركية لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو طريق شحن عالمي بالغ الأهمية تعرض للاضطراب خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة مع إيران.
الشهر الماضي، هاجم ترامب حلفاء الناتو على منصة «تروث سوشال»، متهماً إياهم بالاستفادة من القوة العسكرية الأميركية مع رفضهم المساعدة في تأمين طرق الشحن المتضررة من الحرب. وكتب: «بدون الولايات المتحدة الأميركية، الناتو نمر من ورق!» واختتم منشوره بوصف الحلفاء بـ«الجبناء» ومحذراً: «سنتذكر!»
بعد أن أغلقت إسبانيا، العضو في الحلف، مجالها الجوي هذا الأسبوع أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب، أشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن الحلف يبقى قيماً لواشنطن لأنه يسمح لها بنشر القوات والطائرات في أجزاء من العالم حيث لن تحصل الولايات المتحدة على قواعد بطريقة أخرى.
رفض أوروبي للمشاركة في الحرب
رفضت عدة دول في الناتو إرسال قوات بحرية إلى المنطقة، محتجة بأن الصراع ليس مهمة للناتو ومحذرة من أن المشاركة الإضافية تخاطر بالتصعيد. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الشهر الماضي: «هذه ليست حربنا، لم نبدأها».
ردّ ترامب بإتهام الحلفاء بالفشل في الوفاء بالتزاماتهم وبالتشكيك في ما إذا كان على الولايات المتحدة الاستمرار في تحمّل عبء أمن الحلف. وحذر الشهر الماضي من أنه إذا رفضت دول الحلف مطالبه بالمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، فسيكون ذلك «سيئاً جداً لمستقبل الناتو».
تردد هذه التصريحات نمطاً طويل الأمد. هاجم ترامب مراراً الناتو بشأن الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء وما وصفه بالمعاملة غير العادلة لدافعي الضرائب الأميركيين، مثيراً مخاوف مماثلة خلال فترة ولايته الأولى ومرة أخرى خلال عودته إلى المنصب.
قلق أوروبي من التشكيك الأميركي
بينما لم يعلن ترامب عن خطوة رسمية للانسحاب من الناتو، أثارت خطاباته قلق القادة الأوروبيين الذين يحذرون من أن عدم اليقين وحده يمكن أن يضعف الردع. تم تفعيل المادة الخامسة مرة واحدة فقط، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، لكن قوتها تكمن في المصداقية وليس في التكرار.
كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بين أكثر منتقدي خطاب ترامب صراحة، محذراً من أن الشكوك العلنية المتكررة حول الالتزام الأميركي تخاطر بإفراغ الحلف من مضمونه. وقال ماكرون هذا الأسبوع: «إذا كنت تخلق الشك يومياً حول التزامك، فأنت تفرغه من مضمونه».
جدل حول جرينلاند وقوة الحلف
تشكّل أيضاً نهج ترامب تجاه الناتو من خلال تصريحاته المتكررة حول جرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع لحليف الناتو الدنمارك. منذ عودته إلى المنصب، جادل ترامب بأن على الولايات المتحدة السيطرة على الجزيرة لأسباب الأمن القومي، رافضاً أحياناً استبعاد استخدام القوة أو الضغط الاقتصادي.
أثارت هذه التصريحات ردود فعل حادة من الحلفاء الأوروبيين، واحتجاجات جماهيرية في الدنمارك وجرينلاند، وتحذيرات من قادة الناتو بأن التهديدات ضد دولة عضو تقوّض المبدأ الأساسي للحلف في الدفاع الجماعي.
رغم ذلك، يعتبر الناتو اليوم أقوى عسكرياً من أي وقت مضى منذ الحرب الباردة. توسع الحلف إلى 32 عضواً بعد انضمام فنلندا والسويد، في تحول تاريخي دفعته الحرب الروسية في أوكرانيا والمخاوف المتزايدة حول نوايا موسكو طويلة الأمد. ارتفع الإنفاق الدفاعي عبر أوروبا، حيث يحقق جميع الأعضاء الآن أو يقتربون من الهدف طويل الأمد المتمثل في إنفاق 2 بالمئة على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!