يقع المسجد الإبراهيمي في الخليل على بُعد لا يتجاوز 50 متراً من منزل عارف جابر البالغ من العمر 51 عاماً، في الحي الذي يحمل اسم عائلته، والذي يعكس تاريخ أسرته الطويل في المدينة الفلسطينية. استفاد جابر من هذا القرب منذ طفولته، حيث كان يصلي بانتظام في المسجد، الذي يُعتبر أحد أهم المواقع الإسلامية ورمزاً وطنياً فلسطينياً.
لكن المسجد الإبراهيمي في طفولة جابر ليس هو المسجد اليوم. ففي عام 1994، قام المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين بمجزرة ضد المصلين المسلمين، أسفرت عن مقتل 29 فلسطينياً. وبدلاً من تحقيق العدالة، واجه الفلسطينيون المزيد من القيود في أعقاب الهجوم.
تاريخ الاستيطان والسيطرة
بدأ المستوطنون الإسرائيليون بإقامة وجود غير قانوني في الخليل، جزء من الضفة الغربية المحتلة، في عام 1968، أي بعد عام واحد من سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية. ومنذ ذلك الحين، عملوا على زيادة وجودهم بدعم متزايد من الحكومة الإسرائيلية.
بعد عام 1994، بدأت إسرائيل باتخاذ خطوات للسيطرة عملياً على المسجد الإبراهيمي - المعروف لدى اليهود باسم «مغارة البطاركة» - من خلال إغلاق مناطق واسعة في البلدة القديمة بالخليل والمنطقة الجنوبية المحيطة بالمسجد، ثم قسمته بين المسلمين وبضع مئات من المستوطنين اليهود، ومنحت الأخيرين حق الصلاة فيه.
تلا ذلك توقيع اتفاقية الخليل مع السلطة الفلسطينية في عام 1997، والتي نصت على تقسيم المدينة إلى جزأين: ح1 تحت السيطرة الفلسطينية ويضم 80% من المساحة، وح2 تحت السيطرة الإسرائيلية ويضم 20%، لكنه يشمل المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة.
تكثيف النشاط الاستيطاني
في أعقاب هذه الأحداث، تكثف النشاط الاستيطاني في قلب الخليل. أقام المستوطنون بؤراً استيطانية غير قانونية داخل البلدة القديمة وبدأوا بالتوسع تدريجياً والاستيلاء على منازل جديدة تحت حماية الجيش الإسرائيلي. في الوقت نفسه، تعرض الفلسطينيون لإجراءات الإغلاق والقيود والتدابير القمعية الهادفة إلى إجبارهم على مغادرة البلدة القديمة، مما يسهل السيطرة الإسرائيلية على المسجد.
كان جابر يأمل أن يصلي أطفاله في المسجد يومياً ويصبحوا مألوفين معه، لكن الإجراءات الإسرائيلية منعت ذلك. وأوضح أنه منذ عام 1994، أُغلقت البوابة الجنوبية للمسجد، التي كان سكان حيه يستخدمونها للوصول. بدلاً من ذلك، أُجبروا على سلوك طرق بديلة، مما حول رحلة 50 متراً إلى رحلة تمتد لحوالي ثلاثة كيلومترات.
تشديد القيود بعد أكتوبر 2023
تفاقمت الأوضاع منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، عندما كثفت إسرائيل أيضاً هجماتها في الضفة الغربية. شددت إسرائيل قبضتها على المسجد ومحيطه، وأغلقت المزيد من الطرق البديلة.
قال جابر: «صعوبة الوصول إلى المسجد تتفاقم بسبب الإجراءات عند البوابات الحديدية والإلكترونية المنصوبة عند مداخله وفي محيطه. نتعرض للتفتيش والاحتجاز والمضايقة دون أي مبرر، وغالباً ما يُعتقل الشباب والفتيان وحتى النساء».
تقول الحكومة الإسرائيلية إن القيود ضرورية لأسباب أمنية - لحماية المستوطنين الإسرائيليين الذين يُعتبر وجودهم في أكثر مدن الضفة الغربية كثافة بالسكان غير قانوني بموجب القانون الدولي.
محاولات السيطرة الكاملة
أوضح جابر كيف يغلق الجيش الإسرائيلي الحواجز والبوابات حول المسجد والأحياء المحيطة به لفترات طويلة تحت ذرائع أمنية. لا يُسمح للسكان الفلسطينيين بمغادرة منازلهم، حتى للتسوق، بينما يُسمح للمستوطنين بالحركة بحرية في جميع أنحاء البلدة القديمة.
كما استخدمت السلطات الإسرائيلية مبرر الصراع الحالي مع إيران لإغلاق الوصول إلى المسجد الإبراهيمي أمام الفلسطينيين لستة أيام اعتباراً من 28 فبراير، مما سمح بإعادة فتحه لعدد محدود من المصلين في 6 مارس.
لكن هذه التدابير لا تهدف فقط إلى تقييد الفلسطينيين في محيط المسجد، بل تبدو أيضاً كمحاولة لإقامة سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة عليه، بتدابير مشابهة لتلك التي تستخدمها إسرائيل في المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة.
تدابير مماثلة للأقصى
في المسجد الأقصى، ثالث أقدس المواقع في الإسلام، تُستخدم أوامر الإبعاد المتجددة لمنع دخول المصلين المعتبرين «مثيري مشاكل». كما تُجرى عمليات تفتيش بانتظام عند بوابات الأقصى، بالإضافة إلى الاحتجاز ومصادرة بطاقات الهوية وقيود الدخول إلى أجزاء معينة من مجمع المسجد.
تقوم إسرائيل الآن بإجراءات مماثلة بانتظام في المسجد الإبراهيمي. أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بإبعاد معتز أبو سنينة، مدير المسجد الإبراهيمي، وموظفين آخرين من المسجد لمدة 15 يوماً في يناير. وقالت السلطة الفلسطينية إن الأوامر كانت جزءاً من «محاولة لتقليل دورهم في إدارة والإشراف على الشؤون الدينية والإدارية للمسجد الإبراهيمي».
حاول المسؤولون الإسرائيليون أيضاً دفع أعمال البناء في المسجد دون موافقة المسؤولين الفلسطينيين. في 9 فبراير، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على نقل صلاحيات الترخيص والبناء والإدارة البلدية في الخليل من البلدية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، بالإضافة إلى إنشاء بلدية استيطانية منفصلة داخل المدينة.
تحويل المسجد إلى «ثكنة عسكرية»
قال أبو سنينة إن إسرائيل حولت المسجد إلى شيء يشبه «الثكنة العسكرية» بسبب التدابير الصارمة التي تفرضها، والتي «تهدف إلى تقليل عدد المصلين فيه». وبحسب أبو سنينة، تدخلت الحكومة الإسرائيلية في سلطة وزارة الأوقاف الدينية، ومُنع الأذان من الأداء عشرات المرات شهرياً. تعرض المصلون لمعاملة مهينة عند مدخل المسجد، بما في ذلك الضرب والإساءة اللفظية والطرد.
أضاف أبو سنينة أن التدابير كانت جزءاً من سياسة إسرائيلية منهجية تهدف إلى تحويل المسجد إلى كنيس يهودي: «تحاول إسرائيل فرض واقع جديد من خلال السيطرة على المسجد وإعاقة وصول المصلين إليه، سواء خلال رمضان أو في أوقات أخرى. بعد أكتوبر 2023، أصبحت التدابير أكثر صرامة لمحو الهوية الإسلامية للمكان، كما لو أنها تسابق الزمن للاستيلاء عليه».
في 28 فبراير، بالتزامن مع بداية الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، طرد الجيش الإسرائيلي المصلين والموظفين من المسجد وأبلغهم بإغلاقه حتى إشعار آخر، تماماً كما فعل في المسجد الأقصى في القدس في نفس اليوم تحت تدابير حالة الطوارئ المعلنة.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!