تواجه الولايات المتحدة أزمة متنامية في إمدادات الهيليوم، وهو العنصر الحيوي المستخدم في أجهزة الرنين المغناطيسي والأبحاث العلمية وصناعة أشباه الموصلات، وذلك بعد تضرر منشآت الغاز الطبيعي المسال القطرية جراء الأحداث الجارية في المنطقة.
وأفادت التقارير أن شركات توريد الهيليوم بدأت في تحذير عملائها من اضطرابات محتملة في الإمدادات، حيث أعلنت شركة «إير غاز» (AirGas) حالة القوة القاهرة على عقودها، بينما حذرت الشركة التابعة الأمريكية لمجموعة «إير ليكيد» الفرنسية من عدم قدرتها على تلبية الطلبات.
تداعيات الأزمة الإقليمية على الإمدادات العالمية
تأتي هذه الاضطرابات في أعقاب تضرر أجزاء من مجمع رأس لفان التابع لشركة قطر للطاقة في 18 مارس الماضي، وهو المرفق المرتبط بحوالي خُمس إنتاج الغاز الطبيعي المسال في البلاد. وتُعد قطر ثاني أكبر منتج للهيليوم عالمياً بعد الولايات المتحدة، وفقاً لبيانات المسح الجيولوجي الأمريكي.
وأعلنت قطر للطاقة أن إصلاح الأضرار سيستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات، مما اضطرها لـ«إعلان حالة القوة القاهرة لمدة تصل إلى خمس سنوات على بعض عقود الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل». كما ساهمت التهديدات والإجراءات التي أثرت على الشحن عبر مضيق هرمز - الذي يمر عبره 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي - في ارتفاع الأسعار وتشديد الإمدادات العالمية.
انتهاء الاحتياطي الاستراتيجي يفاقم التحدي
تحمل هذه الاضطرابات وزناً إضافياً بالنسبة للولايات المتحدة لأن الحكومة الفيدرالية لم تعد تحتفظ باحتياطي استراتيجي من الهيليوم. ففي عام 2024، أكمل مكتب إدارة الأراضي بيع الاحتياطي الفيدرالي للهيليوم بموجب تفويض من قانون إدارة الهيليوم لعام 2013، الذي طالب بالتخلص من جميع أصول الهيليوم الفيدرالية.
وكان هذا الاحتياطي قد أُنشئ لأول مرة عام 1926 لمساعدة الولايات المتحدة على «مواكبة التطورات العالمية في التقنيات العسكرية، مثل المناطيد»، وفقاً للجنة الموارد الطبيعية في مجلس النواب. وبعد أن فشلت المناطيد في أن تصبح ضرورية للدفاع، بقيت الولايات المتحدة مع احتياطي كبير من الهيليوم، واستمرت الحكومة في ضخ الأموال فيه حتى الثمانينيات.
تأثيرات حاسمة على الطب والبحث العلمي
يقول جيفري هوخ (Jeffrey Hoch)، أستاذ البيولوجيا الجزيئية والفيزياء الحيوية في جامعة كونيتيكت: «على مدار العقد الماضي، أصبح الهيليوم أكثر ندرة وأكثر تكلفة. ومن المؤكد أنه أصبح من الصعب الحصول عليه».
وأضاف هوخ، مدير مرفق غريغوري مولن للبيولوجيا الهيكلية في جامعة كونيتيكت، أن الحصول على إمدادات كافية من الهيليوم «كان مصدر قلق للعلماء الأساسيين مثلي الذين يستخدمون المغناطيسات فائقة التوصيل في أبحاثهم لبعض الوقت».
ويُستخدم الهيليوم لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل إلى درجات حرارة منخفضة جداً - حوالي 4 درجات فوق الصفر المطلق (حوالي ناقص 269 درجة مئوية). وتتطلب أجهزة الرنين المغناطيسي بين 1500 و2000 لتر من الهيليوم السائل للعمل بفعالية، وفقاً لمورد الغازات «ويست إير».
ارتفاع التكاليف وتحديات الإمداد
وأفاد هوخ أن مورد الهيليوم للجامعة لديه عقود مع قطر، والتي «لا تستطيع حالياً توريد الهيليوم الذي نحتاجه». وأضاف: «أعلنوا حالة القوة القاهرة، مما حررنا لشراء الهيليوم من موردين آخرين»، مشيراً إلى أنهم وجدوا الآن مصدراً محلياً في تكساس، رغم أن «التكلفة أعلى بنسبة 50% من السعر المتعاقد عليه مع المورد الأصلي».
من جهتها، قالت صوفيا هايز (Sophia Hayes)، أستاذة الكيمياء في جامعة واشنطن، إنها «قلقة» بشأن تأثير الأحداث الإقليمية على إمدادات الهيليوم في البلاد، مضيفة أنها سمعت عن بعض المختبرات التي تواجه «قيوداً في كمية الهيليوم المتاحة لها».
تداعيات على صناعة التكنولوجيا
تعني خصائص التبريد للهيليوم أنه جزء حيوي من الرقائق الإلكترونية، التي تُعتبر الأساس للعديد من الأجهزة الحديثة ومحركات الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن نقص الهيليوم قد يكون له تأثيرات هائلة على صناعة التكنولوجيا، مما قد يؤدي إلى توقف إنتاج الرقائق الإلكترونية.
كما يُستخدم الهيليوم في علاجات تنفسية معينة لمرضى الربو الشديد ومرض الانسداد الرئوي المزمن، إضافة إلى أغراض طبية أخرى. وحذرت هايز من أن مشاكل إمدادات الهيليوم تضع «ضغطاً استثنائياً على الأشخاص الذين يحافظون على المغناطيسات فائقة التوصيل للبحث والصناعة والرعاية الصحية أحياناً».
وتشير البيانات إلى أن الإنتاج الأمريكي تجاوز الاستهلاك في السنوات الأخيرة، مما يؤكد أن القلق الحالي يتمحور حول اللوجستيات والأسعار والوصول وليس النقص الوطني الفوري. ومع ذلك، يقول خبراء الصناعة إن الاضطرابات الجيوسياسية يمكن أن تجعل الحصول على الهيليوم أكثر تقلباً وتكلفة، خاصة للمستخدمين المتخصصين.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!