تشهد لبنان مأساة إنسانية متصاعدة مع مقتل أكثر من 50 عاملاً في المجال الطبي والإسعافي منذ بدء الحرب الإسرائيلية على البلاد، في ظل اتهامات دولية لإسرائيل باستهداف الطواقم الطبية بشكل متعمد، وهو ما تنفيه تل أبيب.
مقتل مسعف أثناء مهمة إنقاذ
في التاسع من مارس الماضي، قُتل يوسف عساف، وهو مسعف متطوع في الصليب الأحمر اللبناني، بقصف إسرائيلي أثناء قيامه بمهمة إنقاذ في بلدة مجدل زون جنوب لبنان. وقد اتبع عساف البروتوكولات المعمول بها، حيث أرسلت سيارة الإسعاف إحداثياتها إلى قوات حفظ السلام الأممية، التي بدورها أبلغت إسرائيل بموقعها.
وبحسب مصادر رسمية، نزل عساف من سيارة الإسعاف في موقع قصف سابق لمساعدة الجرحى، عندما استهدفته غارة إسرائيلية أخرى. وقد جمع تشييعه مئات المسعفين وعمال الإنقاذ في مدينة صور الساحلية، حيث امتزجت صرخات والدته مع أصوات المشيعين.
أرقام مقلقة وشكاوى دولية
تؤكد الحكومة اللبنانية أن 54 عاملاً صحياً على الأقل من بين أكثر من 1400 شخص قتلوا في القصف الإسرائيلي الحالي. ويقول أليكسي نعمة، مدير خدمات الطوارئ الطبية في الصليب الأحمر اللبناني، إنه أرسل رسالة احتجاج عبر الآلية ذاتها المستخدمة للتنسيق مع إسرائيل، متسائلاً: «لماذا؟ لماذا نحن؟»
وأفادت التقارير أنه في عطلة نهاية الأسبوع من 28-29 مارس، قُتل 10 عمال صحيين في غضون 24 ساعة بهجمات إسرائيلية على لبنان، وفقاً للحكومة اللبنانية ومنظمة الصحة العالمية. وقال وزير الصحة اللبناني الحالي راكان نصر الدين إنه بدأ عملية تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي.
اتهامات بجرائم حرب
يقول الدكتور فراس أبيض، وزير الصحة اللبناني السابق: «من الواضح جداً أن هناك استهدافاً للعاملين في الرعاية الصحية والمسعفين والمرافق الصحية. عندما تقتل 10 مسعفين في غضون 24 ساعة تقريباً، من الصعب جداً القول إن هذا حادث».
وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في عام 2024 ثلاث هجمات على العاملين الصحيين: على مسعفين في مركز دفاع مدني في بيروت، وعلى سيارة إسعاف ومستشفى في جنوب لبنان، مما أسفر عن مقتل 14 مسعفاً. ويقول الباحث في المنظمة رمزي قيس: «وجدنا أن هذه الهجمات تصل إلى حد جرائم الحرب الواضحة. العاملون الصحيون محميون بموجب قوانين الحرب».
كما تقول منظمة العفو الدولية إن إسرائيل تستخدم «نفس الكتيب المميت» لتنفيذ «هجمات غير قانونية على المرافق الصحية والعاملين الصحيين» دون «أي مساءلة أو انتصاف».
الرد الإسرائيلي والاتهامات المضادة
من جانبها، تنفي القوات الإسرائيلية استهداف العاملين الطبيين عمداً. وقال الجيش الإسرائيلي في تعليق على مقتل عساف إنه استهدف «مبنى لاستخدام حزب الله العسكري» في ذلك اليوم، وأن «بعض الأشخاص» وصلوا إلى المنطقة «في الثواني بين إطلاق الذخائر ولحظة الاصطدام»، لكنهم لم يكونوا مستهدفين عمداً.
وتتهم إسرائيل حزب الله باستغلال الفرق الطبية والمرافق الصحية، ونقل الأسلحة في سيارات الإسعاف، كجزء من نمط أوسع من «الاستغلال المنهجي للبنية التحتية المدنية». وأكد الجيش الإسرائيلي أنه يلتزم بالقانون، لكنه يلغي الحماية القانونية للعاملين الصحيين عند حدوث «إساءة استخدام».
تكتيكات الضربة المزدوجة
معظم المسعفين القتلى في هذه الحرب كانوا مع وحدات تديرها جماعات سياسية إسلامية، بما في ذلك حزب الله، الذي لديه خدمة إسعاف خاصة به. وعلى عكس الصليب الأحمر، فإنها لا تُخطر إسرائيل بحركاتها.
يقول محمد فرحات، مدير العمليات في الهيئة الصحية الإسلامية التي تشمل خدمة إسعاف حزب الله، إن الفرق تعمل تحت تهديد ما يُسمى ضربات «النقرة المزدوجة». ويوضح أن إسرائيل غالباً ما تقصف عنصراً من حزب الله، ثم تنتظر وصول مسعفي حزب الله إلى المكان، ثم تقصفهم أيضاً.
ينفي الجيش الإسرائيلي وجود مثل هذه السياسة، لكنه أخبر وسائل الإعلام أنه يقوم أحياناً بتنفيذ ضربة إضافية «عندما لا يتحقق هدف الضربة الأولى». ويقول فرحات إن المسعفين غيّروا سلوكهم: «ننتظر قليلاً، لكن الأمر صعب. عندما تسمع شخصاً يبكي أو يصرخ - خاصة الأطفال - لا تفكر حقاً. تركض نحوهم فقط».
ضغوط نفسية على المسعفين
في غرفة التحكم التابعة للصليب الأحمر اللبناني في جنوب بيروت، يتلقى موظفو الإرسال حوالي 1500 مكالمة يومياً. يقول جورج غفاري، رئيس موظفي الإرسال: «بعد قصف حديث، اتصلت امرأة تقول إنها وأطفالها مصابون. كانوا يعانون بوضوح من صدمة شديدة. بقينا على الهاتف معهم طوال الوقت، حتى وصلت إليهم سيارة الإسعاف».
يقول غفاري إن مثل هذه المكالمات تؤثر عليه، وكذلك خسائر هذه الحرب في مهنته: «هؤلاء زملائي، أصدقائي. لا أستطيع أن أُظهر للفريق قلقي وقلقي، لكن في الأعماق، الأمر موجود». وعندما يرسل الزملاء إلى مناطق الخطر، يتتبعهم عبر نظام تحديد المواقع العالمي ويبقى على اتصال معهم عبر الهاتف وجهاز اللاسلكي.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!