شهد مطعم «كرافان أوف دريمز» (Caravan of Dreams) النباتي الرائد في حي إيست فيليدج (East Village) بمدينة نيويورك، والذي يعود تاريخه إلى عقود، أشهراً عصيبة كادت تودي به إلى الإغلاق التام. فقد تراكمت عليه الديون، وتضرر من شراكة تجارية يزعم أنها تحولت إلى عملية احتيال، بالإضافة إلى التغيرات الديموغرافية في الحي والآثار المستمرة لجائحة كوفيد-19. كان المطعم، الذي يُعد الأقدم من نوعه في نيويورك، على وشك تقديم آخر أطباقه المميزة.
صرح السيد أنخيل مورينو (Angel Moreno)، المالك البالغ من العمر 76 عاماً، بأن المطعم كان في خطر الإفلاس. وأوضح مورينو أنه كان غارقاً في ديون وإيجارات وقروض بلغت 200 ألف دولار أمريكي. وقال: «كنت أقترض المال لإبقائه قائماً، لكن ذلك لم يكن كافياً. كما أن العديد من سكان الحي انتقلوا بعيداً». وأضاف أنه كان يفكر في تحويل المطعم إلى مؤسسة غير ربحية أو تعاونية.
دعوى قضائية تزعم الاحتيال
تفاقمت الأزمة المالية للمطعم بسبب ما يزعم مورينو أنه مخطط احتيالي. ففي عام 2024، ومع اقتراب مورينو من السبعينيات من عمره، قام بتعيين مدير وضع ثقته فيه. ويزعم مورينو أنه استثمر أموالاً مع هذا المدير، الذي اتهمه لاحقاً بالتلاعب في الدفاتر المحاسبية وسحب سلف مالية دون علمه، مما وضع المطعم في مأزق مالي عميق.
وفي دعوى قضائية رُفعت في أكتوبر الماضي أمام المحكمة العليا لولاية نيويورك، اتهم مورينو المدير، الذي تم تعريفه في وثائق المحكمة باسم أبراهام غروس (Abraham Gross)، بالإضافة إلى المدعى عليه المشارك ناتشوم تشوسيد (Nachum Chusid)، المعروف أيضاً باسم نيك ليفي (Nick Levi)، وشركة «إم آند إن فاندينغ سوليوشنز» (M&N Funding Solutions, LLC)، بتورطهم في «مخطط استثماري احتيالي». ويزعم مورينو أنهم وعدوه بعائد سنوي قدره 20% على مبلغ 300 ألف دولار أمريكي كان قد أودعها لديهم. ولم يتسن الحصول على تعليق من غروس وتشوسيد بشأن هذه المزاعم، ولا يزال الحكم في القضية معلقاً، حيث تقدم تشوسيد وشركة «إم آند إن فاندينغ سوليوشنز» بطلب لرفض الشكوى.
منشور «هيومنز أوف نيويورك» يغير كل شيء
جاء الخلاص غير المتوقع للمطعم من أحد زبائنه المنتظمين، وهو براندون ستانتون (Brandon Stanton)، مؤسس مشروع «هيومنز أوف نيويورك» (Humans of New York) الشهير، الذي يوثق قصص سكان نيويورك العاديين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وسلسلة من الكتب. صرح ستانتون بأنه كان يتناول الطعام دائماً في «كرافان أوف دريمز» عندما يخرج، لكنه لم يفهم قط كيف كان المطعم يعمل اقتصادياً رغم جودة طعامه وروعة العاملين فيه.
بالصدفة، تحدثت زوجة ستانتون مع مورينو، الذي كشف لها عن الصعوبات التي يواجهها المطعم. وعندما علم ستانتون بالقصة، حاول إقناع مورينو بفضح تفاصيل محنته. وبعد حديثه مع مورينو وشريكته مرسيدس غاليغو (Mercedes Gallego)، قام ستانتون بنشر قصة المطعم على حساباته في إنستغرام وفيسبوك في 24 مارس الماضي. تضمن المنشور اقتباساً من غاليغو تقول فيه: «يعتقد أنخيل في قلبه أن كرافان أوف دريمز يساهم في مستقبل أكثر إشراقاً للعالم. وإذا لم يبقيه مفتوحاً، فإن العالم سيفقد ذلك المستقبل. إنه لا يستسلم. إنه مدفوع بالإيمان. يعتقد أن كل ما عليه فعله هو الإيمان».
استجابة جماهيرية غير مسبوقة
أرفق ستانتون رابطاً لحملة جمع التبرعات الخاصة بالمطعم على منصة «غو فاند مي» (GoFundMe)، والتي كانت قد توقفت عند مبلغ 14 ألف دولار أمريكي. في غضون أيام قليلة من نشر القصة، تفاعل متابعو ستانتون بشكل كبير مع قصة مورينو. وقال ستانتون: «لم أرغب في رفع آماله، لكن لم يكن لدي أي فكرة أنها ستثير كل هذا الاهتمام».
حتى الآن، جمعت الحملة أكثر من 300 ألف دولار أمريكي لمطعم «كرافان أوف دريمز»، مما أنقذ العمل التجاري وسدد ديونه. تحول المطعم الهادئ سابقاً إلى ظاهرة جماهيرية، حيث اصطف الزبائن لساعات في الأيام الأخيرة، ونفدت المكونات من المطبخ. صرح مورينو بأنه غمرته المفاجأة، واضطر إلى الاستعانة بالأصدقاء للمساعدة في تنظيف الطاولات وغسل الأطباق لمواكبة الطلب المتزايد. وقال مورينو: «لقد غمرنا الأمر – لم أصدق ذلك. كنت أبكي وأنا أقرأ التعليقات».
تاريخ من الريادة في الأكل النباتي
مورينو، وهو من مواليد مدريد بإسبانيا، كان باحثاً في مجال التغذية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة في عام 1982. مستوحياً من والده الذي كان يمتلك مطعماً، سعى مورينو لنشر كل ما تعلمه عن التغذية الصحية. عندما افتتح «كرافان أوف دريمز» في عام 1991، كانت المفاهيم النباتية والأكل النظيف لا تزال متخصصة وغير منتشرة. وقال مورينو: «تكتشف في الحياة ما أنت جيد فيه، لذلك خاطرت لأنني كنت أعرف الكثير عن التغذية. أردت استخدام معرفتي بالطعام العضوي النقي».
سرعان ما أصبح مطعمه عنصراً أساسياً في إيست فيليدج، حيث كان عشاق الأكل النباتي يسافرون من أماكن بعيدة لتناول أطباقه الشهية. على مدى عقود، كان المطعم يعمل بنجاح، واستفاد لاحقاً من ازدهار الأغذية العضوية والنباتية في العقد الثاني من الألفية الثالثة. ولكن، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية للجائحة، فقد «كرافان أوف دريمز» العديد من زبائنه المخلصين مع تغير التركيبة السكانية لإيست فيليدج.
إيمان متجدد بمدينة نيويورك
ما يثلج صدر مورينو وشريكته غاليغو أكثر هو طبيعة التبرعات التي تلقاها المطعم من الداعمين المهتمين. أشارت غاليغو إلى أن معظم التبرعات كانت بمبالغ صغيرة تتراوح بين خمسة وعشرة دولارات. زار ستانتون المطعم مؤخراً وذهل من التغيير الذي طرأ عليه. وقال: «كان المطعم مليئاً بالطاقة والحياة. أنخيل لم ينم سوى ساعة واحدة في الليلة التي سبقت زيارتي، وكان يتنقل بين الطاولات يسحر الجميع».
عبر مورينو، الذي أصبح صوته أجشاً من كثرة الحديث مع زبائنه الجدد، عن دهشته قائلاً: «لم أصدق حشود الناس المنتظرين في الخارج. لم يكن أحد مستاءً، الجميع كان إيجابياً. لقد جاءوا بنية المساعدة والدعم لنا». وأضاف: «أحب دراسة هذا النوع من الطاقة الخفية. لقد حدث سحر، هذا هو التفسير الذي يمكنني أن أقدمه لكم».

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!