تحولت المياه الساحلية حول كيب تاون في جنوب أفريقيا، التي كانت يومًا من أشهر الوجهات السياحية لمشاهدة أسماك القرش البيضاء الكبرى، إلى لغز بحري يحيّر العلماء والمحافظين على الحياة البرية. فبعد نحو 10 سنوات من بدء العثور على جثث هذه المفترسات على الشواطئ من دون أكبادها، بات من الصعب العثور على أي قرش أبيض كبير في المنطقة.
وتجمع الأطراف المعنية على حقيقة واحدة: أسماك القرش البيضاء الكبرى التي كانت تجوب هذه المياه اختفت تقريبًا. لكن الخلاف يدور حول السبب. فالباحثة البحرية أليسون كوخ، من هيئة المتنزهات الوطنية في جنوب أفريقيا، تقول إن حيتان الأوركا، أو الحيتان القاتلة، هي احتمال قوي بعد أن عُثر على آثار عضّ على زعانف بعض القروش النافقة، ثم تأكدت عمليات التشريح أن الأوركا هي التي تستهدف أكبادها الغنية بالسعرات الحرارية.
وبحسب كوخ، فإن ظهور ذكرين من الأوركا عُرفا باسم «بورت» و«ستاربورد» غيّر المشهد في المنطقة، بعدما رُصدا وهما يصطادان القروش البيضاء الكبرى ويقتلانها. كما تشير إلى أن هذه الحيتان قد تكون تعلّمت هذا السلوك، بعدما وثّقت لقطات بطائرة مسيّرة في عام 2022 خمسة من الأوركا وهي تعمل معًا على صعق قرش أبيض كبير ثم قتله.
في المقابل، يرفض المصور والطبيعي كريس فالووز هذا التفسير بوصفه السبب الوحيد، ويقول إن أعداد القروش البيضاء بدأت تتراجع قبل سنوات من ظهور «بورت» و«ستاربورد» في المشهد. ويرى فالووز، ومعه عالم الأحياء البحرية إنريكو جيناري، أن الصيد التجاري للشعاب الصغيرة التي تعتمد عليها القروش البيضاء في غذائها، إضافة إلى شباك القروش والخطاطيف المثبتة على العوامات التي تستخدمها السلطات في جنوب أفريقيا لحماية السباحين منذ خمسينيات القرن الماضي، لعبت دورًا أكبر في التراجع.
ويقول فالووز إن شباك القروش والخطاطيف تقتل أكثر من 20 قرشًا أبيض كبيرًا سنويًا، إلى جانب كائنات بحرية أخرى تعلق بها. أما جيناري فيدعو إلى بدائل غير قاتلة، مثل الحقول المغناطيسية تحت الماء أو استخدام شباك أصغر فتحات لتقليل احتجاز الكائنات البحرية.
وتعود أهمية القضية إلى أن جنوب أفريقيا كانت أول دولة في العالم تمنح القرش الأبيض الكبير حماية رسمية في عام 1991، لكن الجدل الحالي يثير مخاوف من أن تكون أول دولة تفقده من مياهها. وبينما يرى بعض العلماء أن الأوركا دفعت القروش إلى الابتعاد، يؤكد آخرون أن المشكلة أعمق وترتبط مباشرة بتأثير الإنسان على السلسلة الغذائية والبيئة البحرية.
وفي ظل غياب القروش البيضاء الكبرى عن موقعها الأشهر قرب كيب تاون، يقول فالووز إن الدرس الأوسع هو أن التوازن البحري لا يتحقق إلا بتخفيف الضغوط على الأنواع البحرية، مضيفًا أن «المحيط المتوازن هو محيط صحي».

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!