بداية القصة: فيديو «هزار» أرادت به الأم أن تضحك الأصدقاء
«نادية» ، أم عربية تقيم مع زوجها وطفليها في إحدى ضواحي نيويورك. مثل كثير من الأمهات، تعشق تصوير أطفالها في مواقف طريفة ومشاركتها على السوشيال ميديا. في أحد الأيام، بعد عودة الأطفال من المدرسة، كان ابنها الأكبر «آدم» (13 عامًا) يتذمّر من ترتيب غرفته وحلّ الواجبات، فدخلت معه في نقاش طويل.
في لحظة مزاح، قالت له الأم أمام الكاميرا: «لو ما رتّبتش غرفتك هأعمل فيك وسوي فيك»، وطلبت من أخته الصغيرة تمثيل دور «الباكية» لكي يبدو المشهد مضحكًا. ظهر في الفيديو صوت الأم وهي ترفع نبرة صوتها، والطفل يتظاهر بالخوف ويختبئ خلف الكنبة، ثم يضحكان في النهاية ويقولان: «إحنا بنهزر».
رفعت الأم المقطع على تيك توك مع موسيقى ساخرة، وكتبت تعليقًا: «تربية الجيل الجديد صعبة». خلال ساعات قليلة حصل الفيديو على مئات المشاهدات وبعض التعليقات التي رأت المشهد مضحكًا، وأخرى اعتبرت الطريقة «قسوة» لا تناسب الأطفال.
من مشاهدات على السوشيال ميديا إلى اتصال بالمدرسة
بعد يومين فقط، لاحظت مُعلّمة «آدم» أن بعض الطلاب يتحدّثون عن الفيديو في المدرسة، وأن أحدهم أراه لها على هاتفه. المعلّمة، بصفتها «مُبلِّغة إلزامية» بحسب القانون، لا تستطيع تجاهل أي محتوى قد يُفهم على أنه عنف منزلي ضد طفل.
لم تتواصل المعلّمة مع الأم مباشرة، بل رفعت تقريرًا إلى إدارة المدرسة، التي بدورها أرسلت بلاغًا إلى مكتب خدمات حماية الطفل في الولاية (Child Protective Services – CPS). بالنسبة للسلطات، لا يهم أن الأسرة تقول إن المقطع «مزاح»؛ المهم هو: هل يمكن أن يكون الطفل بالفعل معرّضًا للخطر؟
زيارة غير متوقعة على باب المنزل
في صباح أحد الأيام، بينما كان الزوج في عمله والأم تُحضّر الأطفال للمدرسة، دوّى جرس الباب. فتحت نادية لتجد أمامها سيدة تحمل بطاقة تعريف رسمية، ومعها شرطي بملابس مدنية.
عرّفت السيدة نفسها بأنها أخصائية اجتماعية من CPS، وأخبرتها بأنّ هناك بلاغًا يتعلق بمقطع فيديو على السوشيال ميديا يظهر فيه طفل يبدو خائفًا من أمه. طلبت الأخصائية الدخول إلى المنزل والتحدّث مع الأطفال كلٌّ على حدة، ومع الأم أيضًا، ثم زيارة الطفل في المدرسة لاحقًا.
شعرت نادية بصدمة وخوف شديد؛ فهي لم تتخيل أن «المزحة» يمكن أن تصل إلى هذه الدرجة. ومع ذلك، لم يكن أمامها خيار سوى التعاون، لأن رفض دخول الأخصائية قد يُفسَّر على أنه إخفاء شيء ما.
كيف قرأت الأخصائية الفيديو؟
خلال الجلسة الأولى، سألت الأخصائية الأم بالتفصيل عن طريقة تربيتها، وهل تستخدم الضرب أو التهديد، وما إذا كان الطفل يشعر بالخوف في البيت. ثم استعرضت معها الفيديو الذي تم تداوله.
شرحت الأخصائية أن المشكلة ليست فقط في الكلام الذي قيل، بل في الصورة التي يوصلها الفيديو: طفل يختبئ، أم ترفع صوتها، بكاء، موسيقى ساخرة. بالنسبة للجهات الرسمية، هذا النوع من المقاطع قد يكون مؤشرًا على بيئة غير آمنة حتى لو كان الوالدان يقصدان المزاح.
بعدها جلست الأخصائية مع «آدم» بمفرده في غرفة منفصلة، وسألته عن حياته اليومية، وعن كيفية تعامُل والديه معه في الأوقات العادية وعند الخطأ، وعن شعوره عندما صوّروا الفيديو. أكد الطفل أن الأمر كان تمثيلًا وأن أمه لا تضربه، لكنه اعترف بأنه لم يعجبه أن يظهر بهذا الشكل أمام زملائه.
نتيجة التحقيق: تحذير رسمي وخطوات إلزامية للأسرة
بعد أسابيع من الزيارات والاتصالات، قرّر مكتب CPS عدم فتح قضية إساءة معاملة رسمية، لكنهم سجّلوا واقعة في ملف الأسرة، وفرضوا عليها خطوات إلزامية، من بينها:
- حضور جلسات إرشاد تربوي للوالدين حول التعامل مع الأطفال في سن المراهقة.
- توقيع اتفاق مكتوب بعدم تصوير الأطفال في مواقف قد تبدو مهينة أو مخيفة ونشرها على السوشيال ميديا.
- متابعة دورية قصيرة لمدة ستة أشهر للتأكد من عدم تكرار الأمر.
بالنسبة لنادية وزوجها، كانت هذه التجربة صادمة ومهينة، وشعرا بأن حياتهما الخاصة أصبحت تحت المجهر بسبب فيديو مدته أقل من 30 ثانية. لكن في الوقت نفسه، أدركا أن قوانين حماية الطفل في أمريكا تتعامل بجدية مع أي شيء قد يُفسَّر كعنف أو تهديد، حتى لو كان على الإنترنت.
ما الرسالة لكل أسرة عربية في أمريكا؟
هذه القصة ليست استثناءً؛ إذ تُسجَّل في الولايات المتحدة يوميًا مئات البلاغات التي تبدأ بصورة أو فيديو أو تعليق على السوشيال ميديا. ومع انتشار تيك توك وإنستغرام ريلز ويوتيوب شورتس، أصبح الأطفال أنفسهم يشاركون في تصوير محتوى قد يعرّض أسرهم لمشاكل قانونية دون أن يدركوا العواقب.
هناك مجموعة من النقاط التي يجب على كل أب وأم الانتباه لها:
- تجنّب تصوير الأطفال في مواقف بكاء أو خوف أو عقاب، حتى لو كان تمثيلًا أو مزاحًا، وعدم نشر هذه المقاطع على الإطلاق.
- عدم استخدام عبارات تهديد بالعنف أو الضرب أو الحرمان أمام الكاميرا، لأن الجهات الرسمية قد تعتبرها دليلًا على نمط تربية خطير.
- مراقبة ما ينشره الأبناء على حساباتهم الشخصية، وتوضيح لهم أن كل ما يُنشر قد يُستعمل يومًا ما كوثيقة رسمية.
- التذكّر أن المدرّسين والأطباء والعاملين الاجتماعيين مُلزَمون قانونًا بالتبليغ عن أي شيء يُحتمل أن يكون إساءة للطفل، ولا يملكون خيار التغاضي حتى لو عرفوا الأسرة جيدًا.
ماذا تفعل إذا طرقت «حماية الطفل» باب منزلك؟
إذا وجدت نفسك في موقف مشابه، فهناك خطوات أساسية يُنصح باتّباعها:
- الهدوء والتعاون وعدم الصراخ أو الدخول في مشادة مع الأخصائي أو الشرطي.
- طلب توضيح سبب البلاغ ونوع الشكاية، وتدوين أسماء الأشخاص والجهة التي ينتمون إليها.
- الاستفسار عن حقك في استشارة محامٍ، خصوصًا إذا شعرت أن هناك سوء فهم كبيرًا.
- تقديم صورة صادقة عن حياتك اليومية مع الأطفال، وإبراز أي أدلة إيجابية مثل تقارير المدرسة الجيدة أو شهادات من أطباء الأطفال.
- التوقّف فورًا عن نشر أي محتوى حساس على السوشيال ميديا حتى انتهاء الموضوع بشكل نهائي.
في النهاية، قد يرى البعض أن هذه القوانين مبالغ فيها، لكنّ الواقع أن الأسرة المهاجرة في أمريكا تعيش داخل منظومة قانونية تختلف كثيرًا عن دولنا العربية؛ وما يبدو مزحة أو تربية عادية قد يُترجَم هنا إلى خطر على الطفل. لذلك، يبقى الوعي بالقانون والتعامل بحذر مع السوشيال ميديا جزءًا أساسيًا من حماية أطفالنا وحماية مستقبلنا في هذا البلد.





