الجالية العربية

محتال يؤجر شقة لا يملكها لعشرات العرب ويجمع التأمين ثم يختفي

في نهاية أسبوع مزدحم بالبحث عن سكن، كانت عائلات عربية كثيرة تتحرك بسرعة بين بنايات نيوجيرسي وبروكلين وكوينز: أسعار مرتفعة، طلب كبير، ورسائل من ملاك ووسطاء لا تتوقف. وسط هذا الضغط، ظهر إعلان بالعربية والإنجليزية في مجموعات فيسبوك وواتساب للجالية: «شقق جاهزة للإيجار فوراً – لا تضيّع الفرصة. معاينات اليوم فقط. قبول سريع للمتقدمين الجادين».

اللافت أن الإعلان لم يكن من حساب مجهول بلا تاريخ، بل من صفحة تبدو “مهنية” تحمل اسم مكتب خدمات عقارية صغير، وتظهر عليها صور لمكتب ورقم هاتف وعنوان داخل مركز تجاري عربي. وهذا وحده منح كثيرين شعوراً زائفاً بالأمان.

كيف يعمل “كمين الإيجارات” بطريقة تبدو قانونية؟

الفكرة الأساسية في هذا النوع من الاحتيال ليست “تأجير شقة وهمية”، بل استخدام شقة حقيقية لإقناعك أن كل شيء حقيقي، ثم جمع الأموال بسرعة قبل أن يلحق الضحايا باكتشاف الحقيقة.

في قصتنا، كان هناك شخص يدير العملية، لم يظهر كـ“نصّاب” بالشكل التقليدي، بل كرجل أعمال هادئ يلبس بشكل محترم، يحمل ملف أوراق، ويتحدث بثقة:

  • يحدد مواعيد معاينة للشقق على مدار يومين.
  • يُظهر للناس مفاتيح الشقة ويفتحها أمامهم.
  • يُعطي استمارة طلب (Application) مطبوعة، ويطلب مستندات طبيعية مثل هوية، كشف راتب، أو خطاب عمل.
  • يشرح أن “المالك يريد شخصاً جاهزاً اليوم لأن هناك عشرات المتقدمين”.

كل شيء يبدو “طبيعياً” لمن يعيش ضغط سوق الإيجارات، خاصة عندما تسمع الجملة التي تُسقط كثيرين: «لو أنت جاد، ادفع التأمين الآن علشان أحجز الشقة باسمك. لو خرجت من هنا، في غيرك عشرة جاهزين».

الخدعة الذكية: لماذا استطاع فتح الشقة وإجراء معاينة حقيقية؟

هنا نقطة الحسم التي تجعل العملية منطقية ومخادعة في نفس الوقت:
المُنسّق لا يحتاج أن يكون المالك الحقيقي كي يفتح الشقة. يكفي أن يملك وصولاً مؤقتاً إليها بأي طريقة من الطرق التالية:

  • استئجار قصير المدى (قصير جداً) في شقة مفروشة أو “وحدة شاغرة” عبر طرف ثالث، أو عبر شخص لديه وصول مؤقت.
  • الاستفادة من إهمال في إدارة بناية قديمة حيث مفاتيح بعض الوحدات الشاغرة متاحة لعمال أو أطراف متعددة.
  • الحصول على مفتاح “نسخة” من شخص عمل سابقاً في صيانة البناية أو من وسيط آخر.
  • إقناع الضحايا بأن الشقة “تحت الإدارة” وأنه وسيط مفوض، دون أن يثبت التفويض بشكل رسمي يمكن التحقق منه فوراً.

في جميع الحالات، الضحية يرى الشقة، يرى الباب يُفتح، يرى كل شيء بعينيه… فيختفي سؤال: “هل هذا الرجل فعلاً صاحب حق قانوني في تأجيرها؟”.

الضحية تقع: “Application fee + Security deposit” خلال دقائق

في يوم المعاينات، حضر عشرات الأشخاص على دفعات. بعضهم مهاجرون جدد لا يعرفون تفاصيل القوانين. بعضهم يعرف، لكنه تحت ضغط الوقت. بعضهم لديه أطفال ويريد إنهاء الموضوع بسرعة.

المُنسّق كان يطلب:

  • رسوم تقديم (Application fee) لكل شخص “للتدقيق الائتماني” حتى لو لم يُجرَ أي تدقيق فعلي.
  • تأمين (Security deposit) لحجز الشقة فوراً “لأن المالك لن ينتظر”.

والأهم: كان يرفض الشيكات ويشجع الدفع بطرق سريعة يصعب استرجاعهامثل «الكاش» او التحويلات الفورية وكان يبرر ذلك بعبارة تبدو منطقية: «الشيكات بتاخد وقت، وإحنا لازم نقفل اليوم. لو اتأخرت، هتضيع عليك».

اليوم التالي: “السمسار اختفى… والعنوان لا يرد”

في صباح اليوم التالي، بدأت أول علامة انهيار:

  • بعض الضحايا لم تصلهم رسالة تأكيد للعقد النهائي.
  • البعض حاول الاتصال، فوجد الهاتف مغلقاً أو يرن دون رد.
  • حساب واتساب الذي كان يرسل المواعيد أصبح “غير متاح”.

في البداية، ظنّ البعض أن الرجل مشغول، أو أن هناك “زحمة ملفات”. لكن في المساء، ظهرت الكارثة: أحد الضحايا ذهب إلى عنوان الشقة لاستلام المفاتيح كما اتفق، فوجد موظف إدارة يقول له: «هذه الوحدة ليست للإيجار عبر هذا الشخص. لا نعرفه. وإذا كان أحد قد أخذ منك مالاً، فأنت ضحية احتيال».

خلال ساعات، انتشرت الرسائل في مجموعات الجالية:
«اتنصب علينا… نفس الراجل… نفس الشقة… نفس المكتب!».

الضربة التي “تربط كل الضحايا”: مكتب خدمات حقيقي… لكن عنوانه خدعة

الأدهى أن كثيرين ظنّوا أن لديهم نقطة يعودون إليها: عنوان مكتب خدمات داخل مركز تجاري عربي. بعض الضحايا ذهبوا هناك جماعات، لكنهم اكتشفوا أن العنوان يخص مكتباً آخر تماماً، وأن المُنسّق كان يستخدمه في الإعلانات دون أي علاقة قانونية به.

هنا تحوّل الغضب إلى ذعر: ليس فقط أن المال ضاع، بل إن بعض الضحايا سلّموا نسخاً من هوياتهم وكشوف رواتبهم ومعلوماتهم الشخصية، ما فتح خوفاً آخر: هل سيتم استخدام بياناتهم في احتيال جديد؟

كيف تدخلت الشرطة؟ ولماذا استغرق الأمر وقتاً؟

قد يظن البعض أن القضية بسيطة: “نذهب للشرطة وينتهي الأمر”. لكن الواقع في هذه النوعية من الجرائم أعقد، لأن:

  • الدفع عبر تحويلات فورية يجعل استرجاع المال صعباً جداً بعد دقائق من الإرسال.
  • المحتال قد يستخدم هويات مختلفة وأرقاماً متعددة، وقد يبدّلها بسرعة.
  • إثبات أنه هو نفسه الذي استلم الأموال من عشرات الأشخاص يحتاج تجميع أدلة: رسائل، تحويلات، كاميرات، شهود.

في قصتنا، بدأت الشرطة تتحرك عندما أصبح هناك عدد كبير من البلاغات عن نفس الشخص بنفس النمط. أحد الضحايا كان أكثر حظاً: قام بالدفع عبر تحويل بنكي يمكن تتبعه بشكل أوضح، واحتفظ بصور واضحة لوجه المُنسّق أثناء المعاينة. كما أن بعض البنايات كانت تحتوي على كاميرات مراقبة في الممرات سجلت دخوله وخروجه مع الضحايا.

مع تجميع هذه الخيوط، اتضح أن العملية ليست حادثة فردية، بل “كمين” منظم استهدف الجالية تحديداً لأن:

  • كثير من الضحايا يفضلون إنهاء الأمور سريعاً لتأمين السكن.
  • بعضهم يتجنب الدخول في إجراءات قانونية طويلة بسبب الخوف أو نقص اللغة.
  • الاعتماد على الدفع الفوري شائع داخل الجالية في كثير من المعاملات اليومية.

شرح واضح: كيف تميّز بين وسيط شرعي و”كمين” حتى لو عاينت الشقة؟

هذه أهم نقطة توعوية: المشكلة ليست في المعاينة، بل في إثبات حق التأجير. لذلك، قبل دفع أي مبلغ كبير:

  • اطلب إثبات تفويض مكتوب: إذا قال إنه وسيط أو مكتب، اطلب وثيقة تفويض أو عقد إدارة يربطه بالمالك أو بإدارة المبنى.
  • اتصل بإدارة المبنى من رقم رسمي: لا تعتمد على رقم يعطيه لك الوسيط. ابحث عن رقم الإدارة على الموقع أو على لوحة المبنى واسألهم: هل هذا الشخص مخوّل؟
  • لا تدفع “تأمين” قبل توقيع عقد إيجار حقيقي: التأمين عادة يُدفع عند توقيع عقد واضح، وليس فقط لحجز “شفهي”.
  • احذر الدفع الفوري غير القابل للاسترجاع: Zelle وCashApp ممتازان بين أشخاص تعرفهم، لكن في الإيجارات هما بيئة مثالية للنصب.
  • انتبه لرسوم التقديم: “Application fee” قد تكون موجودة قانونياً، لكن يجب أن تكون ضمن نطاق منطقي، مع إيصال واضح واسم شركة/مالك، وليس “كاش بلا إيصال”.
  • لا تسلم صور هويتك لأي شخص قبل التأكد من صفته: لأن هذا يفتح باب سرقة الهوية حتى لو لم يحدث إيجار أصلاً.

الضجة الأكبر: ضحايا كثيرون… وسمعة الجالية تدفع الثمن

بعد انتشار القصة، انقسمت الجالية:

  • فريق يلوم الضحايا: «كيف تدفعون بهذه السرعة؟»
  • وفريق يرد: «سوق الإيجار وحشي… والضغط يقتل العقل»
  • وآخرون بدأوا يخافون من أي وسيط عربي أو مكتب خدمات عربي، حتى لو كان شرعياً.

وهنا تظهر الرسالة الأهم: الاحتيال لا يستهدف “العرب” لأنهم أغبياء، بل لأنه يستغل نقاطاً واقعية: الاستعجال، الضغط، والثقة الاجتماعية، والرغبة في حل سريع.

الخلاصة: “الشقة الحقيقية” لا تعني “صفقة حقيقية”

قد ترى الشقة بعينك، وقد تمسك بالمفتاح للحظات، وقد توقع على ورقة تبدو رسمية… لكن ما يحميك فعلاً هو أن تتأكد من الصفة القانونية لمن يأخذ منك المال، وأن تربط الدفع بعقد وإيصالات وتحقيق من إدارة المبنى أو المالك الحقيقي.

هذه القصة تحمل درساً واضحاً: في سوق الإيجارات الأميركي، لا يكفي أن تقول «عاينت الشقة»… الأهم أن تقول: «تأكدت أن من أمامي يملك حق تأجيرها».

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى