تشهد الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة تناقضاً مثيراً للاهتمام، حيث تواجه نقصاً حاداً في أعداد الكهنة في الوقت الذي يتزايد فيه الاهتمام بالكاثوليكية، خاصة بين الشباب. هذا التناقض يجبر الأبرشيات في جميع أنحاء البلاد على إغلاق الكنائس ودمج الرعايا، رغم النمو في أعداد الكاثوليك عالمياً.
وعلى الصعيد العالمي، تجاوز عدد الكاثوليك 1.4 مليار شخص، كما شهدت المسيرات الافخارستية إقبالاً قياسياً. وفي الصيف الماضي، توافد أكثر من 50 ألف شخص إلى مدينة إنديانابوليس (Indianapolis) لحضور المؤتمر الافخارستي الوطني الأول من نوعه منذ 83 عاماً.
تراجع أعداد الكهنة عالمياً
تشير الإحصائيات الرسمية للكنيسة إلى انخفاض عدد الكهنة عالمياً إلى 406,996 كاهناً في عام 2023، مقارنة بالعام السابق، في استمرار لتراجع يمتد لسنوات متعددة. كما انخفض عدد طلاب الإكليريكية على مستوى العالم من 108,481 في عام 2022 إلى 106,495 في عام 2023، كجزء من تراجع مستمر يستمر منذ أكثر من عقد.
يقول القس جون دونيا (John Donia)، راعي كنيسة القديسة إليزابيث في تشيستر سبرينغز ببنسلفانيا: «مع وجود عدد أقل من الكهنة لتوظيف الرعايا، انخرطت العديد من الأبرشيات في جميع أنحاء بلدنا في إعادة هيكلة أو دمج الرعايا للتعامل مع هذا الواقع».
التحديات الثقافية والاجتماعية
يرى دان موناسترا (Dan Monastra)، طالب الإكليريكية في أبرشية فيلادلفيا، أن نقص الكهنة يعود إلى عدة أسباب، مشيراً إلى أن «أحد الأسباب هو النقص العام في الرغبة في ثقافتنا للالتزام بشيء دائم، خاصة بين الأجيال الشابة. نرى هذا ليس فقط مع الكهنوت ولكن مع الزواج أيضاً. سبب آخر هو أن الكهنوت يتعارض مع ما تقدمه الثقافة الحديثة، وهي الراحة».
هذا التراجع في أعداد الكهنة يخلق مشكلة طويلة الأمد، حيث أن وجود عدد أقل من الكهنة اليوم يعني عدداً أقل في المستقبل. كما أن الكهنة الأكبر سناً يتقاعدون أو يموتون، في الوقت الذي لا تنقص فيه الحاجة للقداس والاعتراف وزيارة المستشفيات والرعاية الروحية.
التكاليف المالية للتكوين الكهنوتي
تواجه عملية تكوين الكهنة تحديات مالية كبيرة، حيث تشير تقارير مركز البحوث التطبيقية في الرسولية إلى وجود 2,920 طالب إكليريكية في مرحلة ما بعد البكالوريوس خلال العام الدراسي 2023-2024. وتبلغ متوسط الرسوم الدراسية السنوية حوالي 24,763 دولاراً، بينما تصل تكاليف السكن والإعاشة إلى حوالي 15,254 دولاراً لطلاب برامج اللاهوت.
هذه الأرقام لا تشمل التكاليف الأوسع مثل الاستشارة والرعاية الصحية والنفقات التشغيلية. نتيجة لذلك، تتخذ الأبرشيات قرارات استثمارية صعبة بدولارات أقل ومرشحين أقل وتوقعات أعلى لجودة التكوين.
إعادة التفكير في النماذج التشغيلية
تضطر العديد من الأبرشيات إلى إعادة التفكير في كل شيء من حدود الرعايا إلى نماذج التوظيف. فالكنيسة لا تزال تعمل بنطاق بُني لعصر مختلف، عصر كان فيه عدد أكبر بكثير من الكهنة.
يقول موناسترا عن سبب استمرار إغلاق الرعايا رغم تزايد الاهتمام بالكاثوليكية: «نحن ندخل في زمن مختلف مع تحديات جديدة. العالم يتغير باستمرار، والأمر متروك للكنيسة لإيجاد طرق للشهادة للمسيح وسط هذه التغييرات مع الحفاظ على الإيمان القديم. أملي هو أنه بدلاً من النظر إلى إغلاق الرعايا في ضوء سلبي، نراها لما هي عليه حقاً: مناسبات لإيجاد طرق جديدة لجلب المسيح للآخرين».

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!