أنهت قوات الاحتياط والجنود في الجيش الكندي، يوم الجمعة، مهمة استمرت شهرين في القطب الشمالي الكندي، بعد عبور مسافة 5200 كيلومتر في واحدة من أقسى البيئات على الأرض، وصولًا إلى مدينة تشرشل في مقاطعة مانيتوبا.
وقالت القوات إن هذه الدورية كانت الأكبر في تاريخ حرس كندا، وهو فرع من القوات المسلحة الكندية مسؤول عن مراقبة المناطق النائية في البلاد. وخلال الرحلة، تحرك المشاركون على متن دراجات ثلجية فوق تضاريس مغطاة بالجليد، وواجهوا عواصف ثلجية ورياحًا قوية، ونصبوا خيامهم أحيانًا فوق الجليد مع هبوط درجات الحرارة إلى 60 تحت الصفر مئوية.
وشارك في العملية هذا العام 1300 عنصر عسكري، ضمن مهمة سنوية تهدف إلى إظهار الوجود العسكري الكندي في الشمال، ومسح الأرض، وفهم تأثيرات تغيّر المناخ، وفتح مسارات سفر جديدة، واختبار قدرات البقاء والقتال في القطب الشمالي. وتمتد هذه المنطقة على 40% من مساحة كندا و70% من سواحلها.
وجاءت المهمة في وقت تزداد فيه أهمية القطب الشمالي بسبب التنافس الجيوسياسي على موارده مع ارتفاع درجات الحرارة. كما تزامنت مع تصاعد التوتر بين حلفاء الناتو بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير/كانون الثاني بضم غرينلاند، وهي إقليم دنماركي في القطب الشمالي يقع قرب كندا.
وقال العميد دانيال ريفيير، قائد فرقة العمل التابعة للجيش والمسؤولة عن عملية نانوك-نونا ليفوت، إن تصريحات ترامب لم يكن لها أي تأثير على طريقة عمل القوات الكندية وحلفائها. وأضاف أن جزءًا من المهمة هذا العام شمل وفدًا من غرينلاند طلب مراقبة عمل حرس كندا، فيما تابع جنود من الولايات المتحدة وبريطانيا التقدم من مركز قيادة في إدمونتون، ونفذ جنود فرنسيون وبلجيكيون عمليات غوص تحت الجليد مع الجيش الكندي.
وقال ريفيير إن المهمة أُعدت للتعامل مع “أسوأ السيناريوهات”، مشيرًا إلى أن روسيا ما تزال “قوة هائلة” في القطب الشمالي رغم حربها المستمرة في أوكرانيا. وأضاف أن روسيا تملك عشرات القواعد العسكرية الدائمة في القطب الشمالي، بينما لا تملك كندا أي قاعدة دائمة هناك.
ومن بين التحديات الأخرى تغيّر المناخ، الذي جعل التنقل في القطب الشمالي الكندي أكثر صعوبة. وقال اللفتنانت كولونيل تراڤيس هانز، أحد أفراد الحرس الذين شاركوا في الدورية التي استمرت 52 يومًا، إن أنهارًا كانت متجمدة بالكامل عادةً فاضت هذا الشتاء، ما أدى إلى تكوّن طبقات جليد غير مستقرة وخطرة. وفي المقابل، كان الشتاء هذا العام أبرد من المعتاد، ما فتح ممرات جديدة فوق مياه القطب الشمالي لم تكن تتجمد في الذاكرة الحديثة.
واعتمدت المهمة على معرفة أفراد الإنويت المحليين، الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من حرس كندا، في تحديد المسارات الآمنة والبقاء على قيد الحياة. وقال هانز: “كنا سنفشل من دونهم”.
وشارك في الدورية أيضًا أفراد من مجتمعات الإنويت المحلية، من بينها جوليـا إلانِك من أكلافيك في الأقاليم الشمالية الغربية، وبيرني أغارك من تشيستيرفيلد إنليت في نونافوت، الذي رافق المجموعة في آخر 500 كيلومتر. وقال أغارك، الذي يخدم في حرس كندا منذ عام 1999، إن الأمر يتعلق بالأرض والبحر ومن يحق له الدخول إليهما، مضيفًا: “علينا أن نُظهر للعالم أننا هنا، وأن هذا وطننا، وسنحميه بكل ما نملك”.
كما تلقت العملية دعمًا من سلاح الجو الكندي، الذي استخدم طائرات Twin Otter للتحليق فوق الدورية ومسح التضاريس، إلى جانب الاعتماد على معلومات استخباراتية من الأقمار الصناعية وتقنيات لمراقبة الجليد جرى اختبار بعضها للمرة الأولى.
وقالت رئيسة ضباط الصف سونيا ليزوت، وهي من المشاركين في العملية: “لقد اختبرنا الحدود، ويمكننا الآن أن نرى المستقبل”.
وكانت كندا قد جعلت القطب الشمالي محورًا في سياسة الأمن القومي، وأكدت في عام 2024 أن سيادتها في الشمال “هي المهمة الأكثر إلحاحًا وأهمية”. كما أعلن رئيس الوزراء مارك كارني، المولود في الأقاليم الشمالية الغربية وأول رئيس وزراء كندي من الشمال، خطة دفاعية بمليارات الدولارات تشمل تحديث مواقع عسكرية شمالية قائمة، إضافة إلى تحسين المطارات والطرق السريعة التي يستخدمها المدنيون والعسكريون.
وفي المقابل، انتقد المحافظون الحكومة الليبرالية بسبب ما وصفوه بإهمال القطب الشمالي خلال العقد الماضي، وقالوا إن ذلك خلق “نقطة ضعف كبيرة” لكندا، ودعوا إلى بناء قواعد عسكرية دائمة جديدة في الشمال.
ولم تسر كل الأمور كما خُطط لها خلال المهمة؛ إذ أُلغي تمرين لإطلاق مدفع هاوتزر بسبب عاصفة ثلجية شديدة في كامبريدج باي في نونافوت. كما أصيب أحد أفراد الحرس بالتسمم الغذائي، وتعرض آخر لكسر في ضلع بعد انقلاب دراجته الثلجية، بينما أُصيب ثالث بقضمة صقيع ونُقل جوًا قبل أن تتفاقم حالته.
ورغم ذلك، وصف هانز العملية بأنها ناجحة، قائلًا إنها دليل على تنامي خبرة كندا في بيئة قاسية. وأضاف: “إصابة كبيرة واحدة من بين 250 شخصًا؟ هذه أرقام أفضل بكثير من أي جهة أخرى”.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!