قد لا تكون الأعراض التي تشعر بها في المكتب مجرد حساسية عابرة. فبحسب ما يصفه خبراء الصحة، قد يكون السبب ما يُعرف بـ«متلازمة المبنى المريض» أو Sick Building Syndrome، وهو مصطلح صاغته منظمة الصحة العالمية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي لوصف مجموعة من الأعراض المزعجة التي تظهر لدى بعض الأشخاص داخل مبانٍ معينة.
وتشمل هذه الأعراض الصداع والتعب والغثيان وضبابية الذهن، فيما أفاد بعض الأشخاص مؤخرًا بأنهم يعانون من العطاس والسعال غير القابل للسيطرة والحكة الشديدة والدوخة بعد 10 دقائق فقط داخل مباني مكاتبهم، ثم تختفي الأعراض تمامًا بمجرد الخروج إلى الهواء الطلق.
وقال الدكتور ليونارد بييلوري، أستاذ في كلية هاكينساك ميريديان للطب، إن الاسم يصف المبنى نفسه لا الشخص، مضيفًا: «المبنى هو المريض، وليس الشخص».
وترتبط هذه المتلازمة عادةً بعوامل بيئية متعددة، من بينها ضعف جودة الهواء الداخلي أو نقص التهوية، ووجود العفن أو الغبار، والملوثات الكيميائية الموجودة على الأثاث أو في مواد التنظيف، وأضرار المياه أو الرطوبة الزائدة، والإضاءة الفلورية، وقلة ضوء الشمس، إضافة إلى السموم الناتجة عن مكافحة الآفات.
كما أشارت أبحاث إلى أن هذه الحالة تؤثر على النساء بشكل أكبر. ووجدت مراجعة نُشرت عام 2023 في مجلة Indoor and Built Environment أن النساء بدأن يظهرن تكرارًا أعلى للأعراض بسبب مزيج من «عوامل تاريخية وأدوار اجتماعية وانخفاض تحمل البرودة وضعف فهم فسيولوجيا المرأة والحساسية المتعددة للمواد الكيميائية».
وفي دراسة أخرى أُجريت في الصين بعد ذلك بعامين، تبيّن أيضًا أن الجنس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمتلازمة المبنى المريض. وذكرت الدراسة أن نحو 30% من المباني الجديدة والمجددة «تعاني من متلازمة المبنى المريض»، وأن وتيرة الإبلاغ عنها كانت في ازدياد منذ سبعينيات القرن الماضي مع استبدال المباني القديمة ذات التهوية الطبيعية تدريجيًا بمبانٍ مكيفة ومغلقة.
وأظهرت الدراسة نفسها أن مشكلات الجلد والأعراض العامة مثل الدوخة ومشكلات الجهاز التنفسي والقلق واضطرابات الهضم كانت من بين أبرز المشكلات التي أبلغت عنها المشاركات. ويرى باحثون أن ذلك قد يرتبط بارتفاع معدل الاضطرابات المناعية الذاتية لدى النساء، اللواتي يكنّ أكثر عرضة للإصابة بأمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والتصلب المتعدد والتصلب الجهازي.
كما برزت درجة حرارة الغرفة عاملًا مهمًا في الورقة البحثية لعام 2023. وقالت الدكتورة كاثرين باسفورد، وهي طبيبة مقيمة في لندن ومتخصصة في صحة المرأة، إن الرجال يطلقون حرارة أكثر من النساء بطبيعتهم، ولذلك تحتاج النساء غالبًا إلى غرف أكثر دفئًا، «ما قد يجعلهن يشعرن بعدم راحة أكبر في مساحات المكاتب».
وفي المكاتب المفتوحة، يمكن للفيروسات أن تنتشر بسرعة أكبر، ما يدفع بعض الأشخاص إلى الشعور بأنهم يمرضون كلما ذهبوا إلى العمل. وتشير دراسات إلى أن تحسين البيئة الداخلية عبر زيادة النباتات وتحسين جودة الهواء والإضاءة والتحكم البيئي وتقليل الضوضاء يمكن أن يكون من الاستراتيجيات الحيوية لرفاه الإنسان.
كما يرى مختصون أن مصممي العقارات والمهندسين المعماريين يمثلون خط الدفاع الأول ضد هذه المتلازمة، عبر التركيز على تصميم المبنى والإضاءة والتهوية بما يعزز الراحة والسلامة العامة.
وقالت إحدى النساء اللواتي يعانين من أعراض متكررة في مكتبها إنها تعتقد أن المشكلة تُهمَل بسبب التوقعات الثقافية التي تدفع النساء إلى تحمل الانزعاج بصمت. وأضافت أنها كانت ستقضي وقتًا أطول في المكتب لو لم تكن تشعر بالإرهاق والالتهاب في كل مرة تذهب فيها إلى هناك.

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!