سلّط تقرير لصحيفة «نيويورك بوست» الضوء على الفيلسوف وأستاذ أخلاقيات الطب الأسترالي بيتر سينغر، البالغ 80 عامًا، بوصفه أحد أبرز المؤثرين في نشوء «الإيثار الفعّال»، وهو تيار يعتمد حسابات رقمية لتحديد أفضل سبل خفض المعاناة. ونقل التقرير انتقادات من باحثين اعتبروا أن أفكار سينغر الفلسفية، ومنها آراؤه المنشورة بشأن قتل الرضع ذوي الإعاقة وقيمة حياة المواليد، ترتبط بالتيار الذي يحذّر من أخطار الذكاء الاصطناعي ويدعو إلى تنظيمه.
وكتب سينغر في كتابه الصادر عام 1979 «الأخلاق العملية» أن «قتل رضيع ذي إعاقة ليس مكافئًا أخلاقيًا لقتل شخص، وفي كثير من الأحيان لا يكون خطأً على الإطلاق». وفي الكتاب نفسه، ناقش ما إذا كانت حياة المولود الجديد تساوي حياة الشمبانزي، وكتب أن حياة المولود «أقل قيمة» بالنسبة إليه من حياة خنزير أو كلب أو شمبانزي بالنسبة إلى الحيوان غير البشري.
وأضاف التقرير أن سينغر كان قد دعا منذ سبعينيات القرن الماضي إلى التخلي عن مفاهيم الخير والشر التقليدية، واعتماد حساب المصالح وتعظيمها أساسًا وحيدًا للأخلاق. كما أشار إلى أنه نشر في عام 2023 رابطًا لمقابلة سابقة قارن فيها الجنس مع الحيوانات بتربية الحيوانات في مزارع الإنتاج الصناعي، ورأى أن الأول أفضل من الثانية. ونسب التقرير إليه أيضًا طرحًا مفاده أن حتى ممارسة الجنس مع الجثث قد تكون أخلاقية في ظروف معينة.
وقال سكوت والتر، الذي شغل سابقًا منصب مساعد خاص للرئيس جورج دبليو بوش للسياسة الداخلية ويرأس حاليًا مركز أبحاث «كابيتال ريسيرش سنتر»، للصحيفة إن «عالم بيتر سينغر لا يعترف بحقوق لأي شخص»، مضيفًا أنه لا يرى فيه صوابًا أو خطأ، بل مصالح يُدّعى وجودها أو أهدافًا يحددها الناس. واعتبر والتر أن سينغر يفضّل الحيوانات على البشر في حالات معينة، وربط آراءه بشأن قتل ذوي الإعاقة بممارسات ألمانيا النازية.
وقارن والتر بين أقوال طبيب أدولف هتلر الذي نفّذ، وفق روايته، أول عملية قتل بدعوى الرحمة لطفل ذي إعاقة في الرايخ الثالث، وبين طرح سابق لسينغر بشأن أطفال مصابين بالهيموفيليا. وقال إن المقطع المنسوب إلى سينغر يفيد بأن قتل الطفل المصاب بالهيموفيليا يُبرر لإتاحة حياة أفضل لطفل لاحق. وأشار والتر إلى أن سينغر ينحدر من عائلة فقدت 3 من أجداده في معسكرات الموت النازية.
وذكر التقرير أن «الإيثار الفعّال» نشأ من كتابات سينغر ومحاضرته في مؤتمر «تيد» عام 2013، فيما صاغ المصطلح تلميذه السابق، فيلسوف جامعة أكسفورد ويليام ماكاسكيل. ويقوم التيار، في أبسط صوره، على تحويل خفض المعاناة الإنسانية إلى حسابات وجداول بيانات، مع دعوة المؤيدين إلى زيادة ثرواتهم ثم التبرع بها للقضايا التي تُظهر الحسابات أنها تحقق الأثر الأكبر.
وأوضح والتر أن هذا المنهج قد يعني، وفق تلك الحسابات، إعطاء الأولوية لمجموعة تعاني الجوع في أفريقيا جنوب الصحراء بدلًا من «جيش الخلاص» أو نشاط كشافة ابنة المتبرع. وقال الباحث الاستقصائي في «كابيتال ريسيرش سنتر» باركر ثاير إن الإيثار الفعّال منح بعض الملحدين ذوي التوجهات ما بعد الحداثية معنى من دون الدفاع عن وجود الصواب والخطأ، واصفًا الحركة بأنها «اختزالية» و«طائفة يوم القيامة».
وضرب التقرير مثالًا بتطبيق هذا التيار في قطاع التكنولوجيا عبر سام بانكمان-فرايد، مؤسس منصة العملات المشفرة المنهارة «إف تي إكس»، الذي بدأ، بحسب التقرير، راغبًا في مساعدة العالم ثم برر جمع مليارات الدولارات بالقول إنه سيتمكن لاحقًا من مساعدة عدد أكبر من الناس بها. وقال ثاير إن تمديد الحسابات الرياضية للإيثار الفعّال إلى المستقبل البعيد يركز على الحياة المحتملة لأعداد هائلة من أجيال البشر المقبلة، وإن تغير المناخ وحقوق الحيوانات كانا من القضايا البارزة لدى أنصار الحركة قبل أن تتخذ نماذجهم، بعد جائحة كوفيد، طابعًا أكثر كارثية.
وأضاف ثاير أن بانكمان-فرايد كان من أوائل من أدخلوا التمويل إلى هذا المجال، وأنه أنشأ منظمة أُغلقت لاحقًا وكانت معنية بمنع الأوبئة. وقال إن هذا الزخم انتقل الآن إلى التحذير من أخطار الذكاء الاصطناعي، بوصفه احتمالًا آخر لنهاية العالم في نظر مؤيدي هذا التوجه.
وحذر ثاير من أن دعاة سلامة الذكاء الاصطناعي نادرًا ما يقدمون، بحسب رأيه، تنبؤات قابلة للاختبار علنًا أو جدولًا زمنيًا أو وصفًا محددًا للكيفية التي قد يؤدي بها الذكاء الاصطناعي إلى إنهاء العالم. وقال والتر إن الخطر الحقيقي يتمثل في منح هؤلاء «سلطات حكومية ضخمة» على حياة الناس، منتقدًا احتمال شراكة بين شركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» والحكومة الفدرالية. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد كثيرين، لكنه شكك في رغبة الشركات التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في منافسة من هذا النوع.
وجاء ذلك بعدما رفض الرئيس ترامب ما وصفه بـ«التحذير الكارثي» من الذكاء الاصطناعي، معتبرًا في خطابات حديثة أن مخاوف تدمير الذكاء الاصطناعي للبشرية «خدعة»، ومؤكدًا أن «الروبوتات لن تستولي على السلطة». وقالت الصحيفة إن سينغر والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان والرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك» داريو أمودي لم يردوا على طلبات للتعليق حتى يوم الخميس.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!