أعادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ترميم مروحية من طراز «مي-17» نقلت أول فريق من ضباطها إلى أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وذلك استعدادًا للذكرى الـ25 للمهمة. وكانت المروحية السوفيتية التصميم قد أوصلت فريقًا من 7 أفراد إلى وادي بنجشير في 26 سبتمبر 2001، بعد 15 يومًا من الهجمات، في خطوة مهّدت للحملة الأمريكية ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
حمل الفريق، الذي كان اسمه الرمزي «جوبريكر»، ملايين الدولارات نقدًا للمساعدة في تجنيد الحلفاء الأفغان وتجهيزهم. وتمثلت مهمته في جمع المعلومات الاستخباراتية وتهيئة الظروف للحملة الأمريكية المرتقبة، بما في ذلك تعزيز العلاقات مع التحالف الشمالي، الذي اغتال عناصر من القاعدة قائده العسكري أحمد شاه مسعود قبل يومين فقط من هجمات 11 سبتمبر.
تُعرض المروحية حاليًا في مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي بولاية فرجينيا، حيث خضعت لعملية ترميم واسعة قبل حلول الذكرى.
مروحية صُممت للاندماج في المنطقة
لحق ضابط الاستخبارات المركزية السابق ديفيد تايسون بفريق «جوبريكر» بعد أسابيع، بوصفه عضوًا في فريق «ألفا»، وسافر على متن المروحية نفسها قبل الحرب. وقال لشبكة CBS News: «كانت تهتز كثيرًا، وكان الوقود يتسرب منها، وكانت شديدة الضوضاء، ولم أكن أعرف إن كانت صالحة للطيران، لكن الطيارين أكدوا لي أنها طائرة جيدة».
حصلت الوكالة على المروحية «مي-17» في تسعينيات القرن الماضي، بعدما قدرت أن منشأها السوفيتي سيكون ميزة في المنطقة. وقال مؤرخ الوكالة روب باير إن التحالف الشمالي وطالبان استخدما هذا الطراز، واصفًا المروحيات الروسية بأنها أشبه بالشاحنة الصغيرة بين مروحيات المنطقة.
وأوضح باير أن اختيار «مي-17» بدلًا من مروحية «بلاك هوك» جاء لقدرتها على الاندماج مع الطائرات المستخدمة هناك، وهو أمر مهم عند التحليق خلف خطوط العدو. كما استطاعت العمل على ارتفاعات قاسية؛ إذ كان على فريق «جوبريكر» عبور ممر أنجمان، الذي يرتفع نحو 14500 قدم فوق مستوى سطح البحر، وكانت «مي-17» من المروحيات القليلة القادرة على اجتيازه.
لم تكن المروحية مزودة بجهاز إرسال يعرّف بها أمام الطائرات الحربية الأمريكية، ما دفع طاقمها إلى رسم كلمة «USA» والعلم الأمريكي فوق أسطح مثبتاتها، بحيث يراه الطيارون الحلفاء من الجو ويبقى مخفيًا عن المقاتلين على الأرض. ولم يتوافر طلاء أزرق، لذلك ترك الطاقم العلم غير مكتمل. كما منح المروحية رمز النداء «9-11-01» تذكيرًا بالهجمات التي قادت إلى المهمة.
نفذت «مي-17» لاحقًا أكثر من 300 مهمة في أفغانستان، وظلت في الخدمة حتى عام 2012.
فريق ألفا خلف خطوط طالبان
كان تايسون ضابط عمليات في وكالة الاستخبارات المركزية ومتمركزًا في آسيا الوسطى، ويتقن لغات محلية شملت الأوزبكية والتركمانية والروسية. وفي 11 سبتمبر 2001، كان على متن رحلة إلى المملكة المتحدة لحضور اجتماع يتعلق بجهود الوكالة لاستعادة صواريخ «ستينغر» التي بقيت في أفغانستان، بعدما أُرسل كثير منها ضمن مبادرة مدعومة من الولايات المتحدة خلال الحرب السوفيتية.
وبعد وصوله بوقت قصير، بدأ التخطيط للعودة، مدركًا أن خبرته ستقوده على الأرجح إلى أفغانستان. وقال: «كنت أعرف أنني سأشارك بالنظر إلى لغاتي وخبرتي وغير ذلك، وإلى المكان الذي كنت أتمركز فيه بآسيا الوسطى».
في 17 أكتوبر 2001، وبعد أقل من 3 أسابيع على وصول «جوبريكر» إلى وادي بنجشير، نُقل تايسون وبقية فريق «ألفا» إلى منطقة أخرى في شمال أفغانستان، ليصبحوا أول أمريكيين يُرسلون خلف خطوط طالبان. وكانت مهمتهم العمل مع القوات التي يقودها الزعيم الأوزبكي عبد الرشيد دوستم ضمن الحملة ضد طالبان والقاعدة.
وصف تايسون المهمة بأنها تجربة لم تنفذ من قبل، وشملت العمل مع القوات المحلية من أجل «خوض حرب بصورة أساسية». وتركز دوره على الاستخبارات والاتصال، إذ تعاون مع قوات دوستم الناطقة بالأوزبكية وساعد فريقه على فهم السكان والبيئة المحيطة.
تنقل الأمريكيون مع المقاتلين الأفغان على ظهور الخيل عبر الجبال، ووصلت مدة الركوب أحيانًا إلى 14 ساعة يوميًا. وقال تايسون إن الخيول لم تكن ودودة، بل كانت فحولًا تتقاتل وتعض أفراد الفريق وتركلهم وتحاول إسقاطهم، فيما كانت السروج عبارة عن هياكل خشبية وُضعت فوقها قطع من السجاد.
انتفاضة أسرى قلعة جانغي
بحلول أواخر نوفمبر 2001، انهارت قوات طالبان في مناطق واسعة من شمال أفغانستان. واستسلم مئات المقاتلين الأجانب ونُقلوا إلى قلعة جانغي، وهي حصن واسع يعود إلى القرن الـ19 قرب مزار شريف.
دخل تايسون وزميله في الوكالة جوني مايكل «مايك» سبان الحصن في 25 نوفمبر، وكانت مهمتهما الأولية تحديد هويات الأسرى والبلدان التي قدموا منها. وقال تايسون إن معظمهم عرّفوا أنفسهم بأنهم أعضاء في القاعدة وأشخاص بايعوا أسامة بن لادن.
كان بين الأسرى جون ووكر ليند، وهو من ولاية كاليفورنيا، وانتقل إلى المنطقة عام 2000 وانضم إلى طالبان. وبعد ساعات من بدء المهمة، انتفض السجناء.
قال تايسون: «كانت هناك انفجارات وإطلاق نار وصراخ كثير»، مضيفًا أنه بدأ يرى الأحداث كما لو كانت تجري بالحركة البطيئة، إذ بدت الأشياء تتحرك ببطء ولكن بصورة شبه تلقائية.
وفي مرحلة من القتال، سمع سبان ينادي اسمه، فتحرك باتجاه زميله. وأضاف: «أتذكر أنني رأيت ظله أو جسده على الأرض. أعتقد أن مايك كان قد مات بالفعل عندما وصلت إليه، وتمكنت من إطلاق النار على الرجال الذين كانوا فوقه وأخذت بندقية مايك».
أصبح سبان، الذي كان عمره 32 عامًا، أول أمريكي يُقتل في القتال بأفغانستان. وحملت ذكراه النجمة رقم 79 المحفورة على الجدار التذكاري لوكالة الاستخبارات المركزية.
شق تايسون طريقه إلى مكان آمن باستخدام بندقية سبان، وواصل حملها طوال بقية فترة انتشاره. وتُعرض البندقية حاليًا في متحف الوكالة إلى جانب الحذاء الذي ارتداه تايسون خلال المهمة، والذي أطلق عليه ابنه، وكان عمره آنذاك 8 سنوات، اسم «حذاء أبي المحظوظ».
وقال تايسون: «أعتقد أن تلك البندقية أنقذت حياتي، إلى جانب أمور أخرى. ومن الملائم جدًا أن تكون في المتحف، لأنها تذكرنا مجددًا بمايك وبمن كان».
استعادة مظهر المروحية في 2001
بعد آخر مهمة تشغيلية للمروحية عام 2012، نُقلت إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية في 2018. وأزيلت خطوط الوقود ومكونات أخرى منها، ثم ثُبتت في الخارج وسط صخور صُممت لتشبه التضاريس الأفغانية.
وأدت سنوات التعرض للعوامل الجوية إلى تدهور حالتها. وقال باير إن لون الطلاء بهت بدرجة كبيرة بسبب الشمس، كما بدأت بعض الحيوانات الصغيرة تدخل إلى المروحية.
خلال العام الماضي، أغلقت الوكالة الفتحات في هيكل الطائرة وأعادت طلائها لتصبح أقرب إلى مظهرها عام 2001. وجُعل اللون الأخضر أكثر سطوعًا قليلًا بصورة متعمدة، حتى يؤدي التعرض للشمس بمرور الوقت إلى تخفيفه وصولًا إلى الدرجة المطلوبة.
أعادت عملية الترميم أيضًا الرقم «607»، وهو رمز نداء الطيار الأفغاني الذي قاد المهمة الأولى. وكان الرقم مرسومًا على جانبي المروحية عام 2001 ليساعدها على الظهور كأنها تابعة للتحالف الشمالي، مع الإشارة للطيارين الحلفاء إلى أنها طائرة صديقة.
وقال تايسون عن سبان: «كما كان مايك يقول، أراد أن يكون في رأس الحربة. وقد كان كذلك، ولا يزال كذلك اليوم، وسيبقى كذلك إلى الأبد. أما مشاركتي في ذلك فهي أمر لن أنساه بالطبع». وأضاف أنه ما زال يفكر يوميًا في سبان وتضحيته، وأنه يود الاعتقاد بأن زميله يساعده على الاهتداء في مواجهة الأمور.
يشارك تايسون وأرملة سبان، شانون سبان دي بروين، حاليًا في منظمة «بادجر 6» غير الربحية، التي أُنشئت عام 2022 وحملت اسم رمز نداء سبان، بهدف مساعدة المقاتلين الأفغان الذين عملوا إلى جانب فريق «ألفا» وعائلاتهم.
تقول المنظمة إنها تدعم حاليًا نحو 35 عائلة بمساعدات تشمل الغذاء والدواء ودعم الانتقال وإعادة التوطين. ويرى تايسون أن هذا العمل جزء من مهمة لم تنته بانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، عندما استعادت طالبان السلطة وبقي بعض الشركاء الأفغان الذين قاتلوا إلى جانب الأمريكيين معرضين لعمليات انتقامية من الحركة. وردًا على سؤال عما إذا كان يشعر بالتزام بالمساعدة حين لا تفعل الحكومات ذلك، قال: «بالتأكيد، نعم. هذا ما يفعله الناس. وهذا ما نفعله».
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!