قلّص الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، وألغت الولايات المتحدة تدريبا واسعا للإنزال البرمائي كان مقررا في سبتمبر/أيلول، في خطوات أثارت قلقا وغضبا في سول بشأن مستقبل التحالف الأمني القائم منذ 72 عاما. وبرر ترمب قراره بكلفة المناورات وبما وصفه برسالتها العدائية تجاه كوريا الشمالية، فيما ربط محللون الخطوة أيضا برفض سول المشاركة في الحرب على إيران وبضغوط مالية وسياسية.
وكانت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية قد خفّضتا مدة مناورات «أولتشي فريدوم شيلد»، أو «درع الحرية-أولتشي»، من 11 يوما إلى 5 أيام، لتنتهي في 21 أغسطس/آب. وتهدف هذه المناورات السنوية إلى الاستعداد لاحتمال نشوب حرب مع كوريا الشمالية، بينما تعتبرها بيونغ يانغ محاكاة لغزو محتمل.
وبدأت الشكوك بشأن العلاقات بين واشنطن وسول قبل نحو 10 أيام، عندما كتب ترمب على منصته «تروث سوشيال» أنه غير راض عن موافقة الولايات المتحدة على المشاركة في التدريبات المشتركة، ملمحا إلى تقليصها بدرجة كبيرة. وبعد يوم من تقصير التدريبات، أعلن عزمه لقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في وقت لاحق من 2026، من دون تفاصيل إضافية أو تأكيد من بيونغ يانغ.
وفي 24 أغسطس/آب، أعلنت كوريا الجنوبية أن الولايات المتحدة ألغت مناورة إنزال برمائي مشتركة واسعة النطاق كانت مقررة للشهر التالي. وقالت إن قوات مشاة البحرية الأمريكية أبلغت نظيرتها الكورية الجنوبية بأن قدرتها على نشر القوات أصبحت محدودة بسبب الوضع في الشرق الأوسط والحرب على إيران.
وجدد ترمب في 25 أغسطس/آب انتقاد التدريبات، قائلا إنه أصدر تعليمات إلى وزير الحرب بيت هيغسيث لتقليصها. وعزا موقفه إلى «العلاقة الممتازة» مع كيم جونغ أون، وقال إن المناورات ليست مكلفة فحسب، بل تبعث رسالة «غير لائقة وعدائية» إلى كوريا الشمالية، التي وصفها بأنها ظلت «غير مهددة ومحترمة» طوال فترة توليه الرئاسة.
كما أشار ترمب إلى رفض كوريا الجنوبية الانضمام إلى الجهود العسكرية ضد إيران. وقال في منشور: «سألت مؤخرا رئيس كوريا الجنوبية عما إذا كانوا يرغبون في الانضمام إلينا، في نزع السلاح النووي من إيران، فكان رده بالرفض». وكان قد اشتكى الأسبوع السابق من نشر واشنطن نحو 39 ألف جندي لحماية كوريا الجنوبية من جارتها الشمالية، معربا عن استيائه من رفض سول المساعدة في ما سماها «عملية عسكرية سهلة للغاية» في إيران.
وفي مارس/آذار، وبعد أيام من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط، دعا ترمب دولا محددة إلى إرسال سفن حربية لتأمين عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز، بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة.
ودفع القرار الأحادي الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى التشديد على ضرورة «تعزيز قدرات الدفاع الذاتية» لكوريا الجنوبية. وتنشر الولايات المتحدة قرابة 28,500 جندي في البلاد دعما لدفاعاتها، في وجود عسكري يعود إلى الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953. وأثارت تصريحات ترمب أيضا دعوات في سول إلى مراجعة موقفها من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
انتقادات ومخاوف في سول
دعت صحيفة «هانكوك إلبو» الكوريين الجنوبيين إلى مواجهة «الحقيقة المرة المتمثلة في تدهور التحالف الكوري الأمريكي»، وقالت إن من السخف أن تظهر الولايات المتحدة احتراما أكبر لكوريا الشمالية من حليفتها كوريا الجنوبية. أما صحيفة «كوريا هيرالد» المستقلة، فانتقدت ترمب لخلطه بين الاستعداد لرد محتمل على هجوم من كوريا الشمالية المسلحة نوويا وبين صراعات لا صلة لها في الشرق الأوسط، وحثت سول على الرد «دون ذعر أو تهاون» وتقليص نقاط ضعفها الناتجة عن الاعتماد المفرط على القرارات الصادرة من واشنطن.
ورأى محللون أن دوافع ترمب قد تشمل رغبته في إنجاز سياسي خارجي كبير في آسيا. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن ترمب يضغط على مساعديه لترتيب لقاء مع كيم في أقرب وقت خلال الخريف، لإحياء جهوده في ولايته الأولى لإقناع الزعيم الكوري الشمالي بالتخلي عن برنامج بلاده النووي. وقالت الصحيفة إن ترمب ناقش سرا إمكان عقد محادثات شخصية مع كيم خلال رحلته المرتقبة إلى آسيا، التي قد تكون في نوفمبر/تشرين الثاني خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «آبيك» في شينزن الصينية، رغم عدم بدء تخطيط رسمي.
وقال المؤرخ المتخصص في شؤون شرق آسيا بجامعة نيفادا، يوجين بارك، إن القرار يعكس تحولا في أولويات واشنطن الاستراتيجية والضغوط على مواردها العسكرية مقارنة بولاية ترمب الأولى. وأضاف أن الحرب في إيران جعلت الولايات المتحدة أكثر حرصا على تفادي تصعيد جديد في شبه الجزيرة الكورية أو أزمة كبرى مع كوريا الشمالية.
ورجح مدير مركز الدراسات الكورية في كلية هنري إم جاكسون للدراسات الدولية في واشنطن، يونغ تشول ها، أن يكون ترمب يمارس ضغطا بسبب بطء تقدم الاستثمارات الكورية الجنوبية في الولايات المتحدة، واصفا ذلك بأنه قد يمثل «شكلا من أشكال الدبلوماسية الانتقامية» رغم استمرار التحالف. وقالت الباحثة الكورية راشيل مين يونغ لي إن ترمب استخدم المناورات للضغط من أجل تسريع الاستثمارات الكورية الجنوبية، وربما التمهيد لزيادة تقاسم تكاليف الدفاع.
وكان ترمب قد طالب خلال ولايته الأولى بزيادة كبيرة في مساهمة كوريا الجنوبية في استضافة القوات الأمريكية، قائلا إن مساهمتها منخفضة جدا. ووفقا لوكالة رويترز، أثارت انتقاداته المتكررة قلق حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، إذ يعيد شركاء من اليابان إلى الهند تقييم مدى قدرتهم على الاعتماد على واشنطن. وأضافت الوكالة أن اليابان تخشى أن تصبح هدفا لضغوط مماثلة خلال مفاوضات أمنية معقدة، وتراقب تايوان بحذر القمة المرتقبة بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ، بينما تزداد شكوك الهند بشأن موقعها في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. ونقلت عن مصدرين هنديين قولهما إن مسؤولين في الهند باتوا يتوخون «حذرا شديدا» بشأن الالتزام باتفاقات دفاعية طويلة الأجل مع واشنطن.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!