استقبلت مصر الرئيس الصيني شي جين بينغ في القاهرة في زيارة تستمر يومين، هي الأولى له إلى البلاد منذ 10 سنوات، وشهد خلالها مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية توقيع 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم وأكثر من 20 وثيقة تعاون في التكنولوجيا والمالية والاقتصاد الرقمي والمواصلات والإعلام وتكنولوجيا المعلومات. وتأتي الزيارة فيما تراقب الولايات المتحدة اتساع العلاقات المصرية الصينية، بما يشمل الاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعاون العسكري.
وشملت الاتفاقات مجالات الذكاء الاصطناعي والنقل والطاقة والاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأصبحت الاستثمارات الصينية جزءاً رئيسياً من مشروعات التنمية الكبرى في مصر، فيما تشارك شركات صينية في مشروعات من بينها حي المال والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، كما عززت بكين حضورها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يتوقع أن تكون توسعتها من الملفات المطروحة في التعاون بين البلدين.
ولا يقتصر التعاون على الاقتصاد، إذ أجرت مصر والصين مناورات جوية مشتركة استضافتها مصر في أغسطس، بمشاركة مقاتلات صينية من طراز «جي-16». ويأتي ذلك مع استمرار مصر شريكاً بارزاً للولايات المتحدة في المنطقة وتلقيها نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من المساعدات العسكرية الأميركية.
مخاوف أميركية بشأن التكنولوجيا والتعاون الدفاعي
قالت الخبيرة الأميركية في الشؤون الأمنية والاستراتيجية إيرينا تسوكرمان إن الولايات المتحدة تشعر منذ سنوات بالقلق من تنامي النفوذ التكنولوجي الصيني في مصر، وإن زيارة شي تعيد هذه التساؤلات إلى الواجهة مع بلوغ الحضور الاقتصادي والتكنولوجي الصيني مستوى متقدماً بعد سنوات من توسيع العلاقات مع الحكومة المصرية والقطاع الخاص.
وأشارت إلى تقارير عن احتمال تقديم الولايات المتحدة للقاهرة بديلاً تنافسياً لمراكز البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والمدعومة من الصين، معتبرة أن ذلك قد يعكس بحث مسؤولين أميركيين عن منافسة مباشرة مع بكين في هذا المجال. لكنها قالت إن الصين تمتلك أفضلية كبيرة بعدما أمضت سنوات في بناء علاقات مع الحكومة المصرية والقطاع الخاص.
وأضافت أن الشركات الصينية انخرطت بصورة وثيقة في مشروعات التنمية الكبرى في مصر، بالتزامن مع توسعها في التكنولوجيا، بما سمح لبكين بتقديم نفسها شريكاً يساعد مصر على تحقيق طموحاتها. واعتبرت أن المخاوف الأمنية الأميركية تتضح مع انتقال كميات متزايدة من أنشطة الحكومة المصرية والقطاع التجاري إلى أنظمة ذكاء اصطناعي مدعومة من الصين، موضحة أن اضطلاع شركات صينية بدور كبير في بناء وتشغيل البنية التحتية لمعالجة هذه المعلومات قد يدفع واشنطن إلى النظر في تداعيات ذلك على تبادل المعلومات الاستخباراتية مع القاهرة وأمن التكنولوجيا الأميركية المستخدمة في مصر.
وقالت تسوكرمان إن العلاقة الدفاعية بين مصر والصين تستحق اهتماماً أكبر من واشنطن، ولا سيما مع استمرار المساعدات العسكرية الأميركية للقاهرة، إلا أنها رجحت أن يواصل القادة المصريون العمل مع الطرفين لأن تعدد الشركاء الخارجيين يمنح مصر مساحة أوسع للتفاوض. وأضافت أن الصين توفر التمويل والتكنولوجيا حين تكون العروض الغربية أعلى كلفة أو مقترنة بشروط لا تفضلها القاهرة، بينما توفر الولايات المتحدة وصولاً إلى تكنولوجيا متقدمة وعلاقة أمنية لا ترى مصر سبباً للتخلي عنها.
القاهرة تؤكد تنويع الشراكات
من جانبه، قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن زيارة الرئيس الصيني تأتي في لحظة إقليمية ودولية حساسة وتتجاوز دلالاتها العلاقات الثنائية، في ظل التحولات المتسارعة وتصاعد تنافس القوى الكبرى.
ووصف حجازي «الاتزان الاستراتيجي» بأنه المدخل الأوضح لفهم الزيارة، موضحاً أنه يقوم على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة، من دون اعتبار الشراكة مع الصين بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها. وقال إن مصر تتعامل مع تنويع الشراكات بوصفه وسيلة لتعزيز المصالح الوطنية وتوسيع هامش الحركة، لا أداة للانضمام إلى محور ضد آخر.
وأضاف أن استقبال الرئيس الصيني لا ينبغي تفسيره باعتباره انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مشيراً إلى أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود إلى شراكة استراتيجية شاملة، بالتوازي مع حرص مصر على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية. وقال إن الأمر لا يتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بل بتعقيد وكلفة هامش المناورة مع امتداد التنافس بينهما إلى الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، مؤكداً أن مصر لا تنتمي إلى المحاور بل تنحاز إلى مصالحها الوطنية.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!