بعد 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر، لا تزال الآثار الصحية للتعرض للغبار والسموم في موقع «غراوند زيرو» تتكشف لدى آلاف المستجيبين للكارثة في نيويورك، وفق أطباء في مستشفى ماونت سيناي. ويعالج برنامج الصحة التابع لمركز التجارة العالمي في المستشفى عشرات الآلاف من المستجيبين، فيما يؤكد أطباؤه أن أمراضًا مرتبطة بذلك التعرض قد تظهر بعد 20 أو 30 عامًا.
ويعاني ناجون ومستجيبون من آثار طويلة الأمد تشمل أمراض الجهاز التنفسي العلوي والسفلي، ومشكلات الجهاز الهضمي، واضطرابات العضلات والعظام، وحالات الصحة النفسية، وأنواعًا مختلفة من السرطان.
ولمدة 16 عامًا، اضطلع ماونت سيناي بدور محوري في الاستجابة الطبية في نيويورك عبر مركزه السريري المتميز ضمن برنامج الصحة التابع لمركز التجارة العالمي. ويوفر البرنامج المتابعة الطبية والعلاج وخدمات الصحة النفسية والاستشارات بشأن المزايا، من دون تكاليف يدفعها المرضى من جيوبهم، لعشرات الآلاف من مستجيبي 11 سبتمبر، بمن فيهم أفراد إنفاذ القانون والعاملون في خدمات الطوارئ الطبية وعمال البناء والحديد والعاملون في إزالة الأسبستوس.
وقال الدكتور مايكل كرين، الأستاذ ونائب مدير برنامج مركز التجارة العالمي، إن للمؤسسة تاريخًا طويلًا في طب المهنة يعود إلى الطبيب إرفينغ سيليكوف، الرائد في علم أوبئة الأسبستوس وسلامة العمال، الذي بدأ في خمسينيات القرن الماضي أبحاثه وعمله السريري بشأن التعرض للأسبستوس في ماونت سيناي. وأضاف كرين عن زملائه الذين استجابوا بعد الهجمات: «أدركوا على الفور تقريبًا أن هذه ستكون مسألة طويلة الأمد جدًا وستطال آلاف الأشخاص».
وقال ويليام كورار، وهو نقيب متقاعد في FDNY ومريض في البرنامج: «كلنا نعرف تلك الرائحة، والغبار الذي بقي هنا لأشهر. كنت أعرف أنه ليس جيدًا لي». وأضاف أنه كان يخشى بصورة خاصة على رجال الإطفاء والشرطة الشباب في الموقع، وكثير منهم في أوائل العشرينيات من العمر، لأن «أمامهم سنوات كثيرة مقبلة وهذه السموم في أجسادهم».
ولم تقتصر الأضرار على الجسد؛ إذ تشمل حالات الصحة النفسية لدى المستجيبين المسجلين في البرنامج اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب واضطرابات التكيف والقلق والهلع واضطرابات إساءة استخدام المواد.
وكان الدكتور كريغ كاتز، الأستاذ السريري في الطب النفسي، قد بدأ إدارة قسم طوارئ الطب النفسي في ماونت سيناي قبل أسبوع واحد من هجمات 11 سبتمبر. وبحكم خبرته في الصحة النفسية في الكوارث، رأى أن معالجة التداعيات النفسية تستلزم الوصول إلى المستجيبين في أماكن عملهم. فارتدى هو وزملاؤه خوذًا واقية وتوجهوا إلى «غراوند زيرو» للتحدث مع العاملين والاطمئنان إليهم، وهي خطوة قال إنها ساعدت في تقليل الوصمة المرتبطة بطلب الرعاية النفسية بين المستجيبين.
كما وصف كاتز دمج علاج الصحة النفسية مع الرعاية البدنية بأنه «العنصر السحري» في برنامج صحة مركز التجارة العالمي، لأنه يتيح علاج الشخص كله بدلًا من عمل التخصصات الطبية في مسارات منفصلة لا تخدم المرضى بالقدر الكافي.
وقال الدكتور راجا فلوريس، رئيس جراحة الصدر في ماونت سيناي، إن التعرضات البيئية «لا تؤذيك في ذلك اليوم، بل تؤذيك بعد 20 عامًا أو 30 عامًا». ولذلك تكتسب متابعة مجموعة الأشخاص المرتبطة بمركز التجارة العالمي أهمية خاصة. وبعد أكثر من 20 عامًا، يقول فلوريس إنه يرى أعدادًا ملحوظة من المرضى المصابين بسرطان الرئة والارتجاع، الذي قد يقود إلى سرطان المريء.
ولا يقتصر عمل البرنامج على تشخيص المرضى الأفراد وعلاجهم، بل يتيح للأطباء فرصة نادرة لرصد أنماط تطور الأمراض المرتبطة بالتداعيات السامة للكارثة عبر الزمن. وقال كاتز: «نرى أن ما كنا نعالجه قبل 10 سنوات أصبحنا أفضل فيه الآن لأننا نفهمه. وعندما يكون لديك فهم أفضل، تستطيع تقديم علاج أفضل».
واختبر كورار هذا التطور بنفسه. فقبل 8 سنوات، وبعد تشخيصه بمريء باريت، بدأ يواجه صعوبة في البلع، وكشف تنظير داخلي عن إصابته بسرطان المريء. وبحثت زوجته عن المرض وتوصلت إلى فلوريس، الذي دخل غرفة الفحص في أول موعد بينهما وقال له: «لدي كلمة واحدة لك: قابل للشفاء». ويحمل سرطان المريء إنذارًا سيئًا على نحو معروف، إذ يبلغ معدل البقاء النسبي الإجمالي لخمس سنوات نحو 22%، فيما ينسب كورار الفضل إلى فلوريس وممرضات فريق رعايته في مساعدته على تجاوز العلاج.
ويجمع برنامج صحة مركز التجارة العالمي طيفًا واسعًا من الاختصاصيين، بينهم أطباء الأورام وطب المهنة والأطباء النفسيون والجراحون، إلى جانب باحثين يعملون على فهم وعلاج العواقب المتغيرة للتعرض المرتبط بهجمات 11 سبتمبر. ويتذكر كاتز أنه كتب أول منحة لخدمات الصحة النفسية في البرنامج خلال إقامته في فندق بفيلادلفيا لحضور مؤتمر، وقال إنه لم يتخيل أن يستمر البرنامج طوال هذه السنوات.
ومع ذلك، لا يزال العمل بعيدًا عن الانتهاء بعد 25 عامًا؛ فهناك مرضى يعانون الآن، وآخرون لم تظهر أمراضهم بعد. وقال فلوريس: «11 سبتمبر لم ينته في 2001، بل يستمر اليوم».
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!