بدأ طلاب في مدارس أمريكية حملة اعتراض على كاميرات المراقبة التابعة لشركة «فلوك»، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بعد نشرها في ما لا يقل عن 100 منطقة تعليمية في أنحاء البلاد، وفق تحليل لسجلات المشتريات الحكومية أجرته مؤسسة «ذا 74» الإخبارية غير الربحية. ويقول الطلاب والمدافعون عن الخصوصية إن هذه الأنظمة تراقب تحركاتهم بصورة مفرطة، فيما تؤكد الشركة أنها تساعد المدارس على حماية التلاميذ من المعتدين وإطلاق النار الجماعي.
في لوفلاند بولاية كولورادو، قال غابي ساير، وهو طالب في المرحلة الثانوية يبلغ 17 عامًا، إن تنامي رقابة الحكومة يجعله يشعر «بقدر من عدم الأمان». وبعد تركيب 5 كاميرات من «فلوك» في مدارس منطقته التعليمية، نظم ساير عريضة ضدها وأطلق مبادرة «دي فلوك لوفلاند»، التي يقودها طلاب ثانويون وتطالب مجلس التعليم والمجلس البلدي بإزالة الكاميرات.
وقال ساير إنه شعر بالاشمئزاز، معتبرًا أن كاميرات «فلوك» تنتهك حقوق الطلاب وأفراد المجتمع التي يكفلها التعديل الرابع للدستور الأمريكي، عبر إخضاعهم لما يراه مستويات غير معقولة من المراقبة. وجمعت عريضته على موقع Change.org، وهي واحدة من عدة عرائض أطلقها طلاب في الولايات المتحدة، 719 توقيعًا حتى الآن. وتنص العريضة على أن السماح لشركات مثل «فلوك» بإجراء مراقبة واسعة للمواطنين الأمريكيين يضع الحريات موضع خطر.
وتسوّق «فلوك» خدماتها مباشرة للمدارس عبر موقعها الإلكتروني، قائلة إنها توفر الطمأنينة لمؤسسات تمتد من مدارس التعليم الأساسي والثانوي إلى الجامعات الكبرى. وتعرض الشركة إنشاء «محيط افتراضي» حول الحرم التعليمي باستخدام قارئات لوحات المركبات وكاميرات الفيديو والوحدات المتنقلة وكواشف إطلاق النار وتطبيق للموظفين.
غير أن الجدل حول كاميراتها يتجاوز كاميرات المراقبة التقليدية، إذ تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء قواعد بيانات عن تحركات الأشخاص. وقالت صوفيا كوب، وهي محامية في منظمة «مؤسسة الحدود الإلكترونية» غير الربحية المعنية بالحريات المدنية ومقرها سان فرانسيسكو، إن ثمة سؤالًا ديمقراطيًا وفلسفيًا بشأن أثر تعويد جيل كامل من الطلاب على حقيقة أن أفعالهم مراقبة باستمرار.
وقالت المنطقة التعليمية في لوفلاند إن كاميراتها، التي ركبت في 2024، فُصلت عن التشغيل، وليس بسبب اعتراضات المجتمع، بل لأن المنطقة خلصت إلى أن الأموال المنفقة عليها لم تحقق الخدمة التي كانت تأمل الحصول عليها. لكن الكاميرات ما زالت معلقة في مواقعها لأنها ملك لشركة «فلوك»، وقرار إزالة المعدات يعود إليها، بحسب متحدث باسم المنطقة. ويواصل ساير مطالبة المجلس البلدي بإزالة الكاميرات التي يديرها، وأكد متحدث وجود محادثات مستمرة بين المجلس وساير وناشطين آخرين.
وكانت المدارس الأمريكية تستخدم المراقبة على نطاق واسع قبل انتشار الذكاء الاصطناعي؛ ففي 2021، كانت 93% من المدارس العامة مزودة بكاميرات أمنية. لكن الأنظمة المعززة بالذكاء الاصطناعي تثير مخاوف مختلفة، لأنها لا تكتفي بالتسجيل السلبي، بل تصبح آلية وقابلة للبحث ومتصلة بشبكات أخرى بدرجة متزايدة.
ووجد تقرير «ذا 74» أن منطقة تعليمية في تكساس منحت دورية الحدود الأمريكية حق الوصول إلى بيانات «فلوك». كما خضعت كاميرات 8 في منطقة تعليمية أخرى في الولاية لعمليات بحث نفذتها 3,100 جهة مختلفة لإنفاذ القانون من أنحاء البلاد أكثر من 733,000 مرة خلال شهر واحد فقط بين ديسمبر 2025 ويناير 2026.
وتقول «فلوك» إن أنظمتها تساعد على حماية الأطفال من المعتدين ومنفذي هجمات إطلاق النار الجماعي، وتزعم قدرتها على «إيقاف التهديدات قبل وصولها إلى المدخل» عبر رصد الزائرين الممنوعين والتحقق من هوية المركبات المشبوهة. ولم تستجب الشركة لطلب التعليق.
وقال آدم سكوت واندت، الأستاذ المشارك للسياسات العامة في كلية جون جاي للعدالة الجنائية، إن قدرة أنظمة «فلوك» على المساعدة في مكافحة الجريمة في الولايات المتحدة حقيقية وفعالة، لكنه أضاف أن المشكلة تكمن في عدم وضوح حدود استخدامها. ولا يكون معلومًا دائمًا على نحو كامل من يحق له الوصول إلى البيانات التي تجمعها كاميرات «فلوك» داخل حرم المدارس، فيما يخشى منتقدون أن تتحول المدارس إلى أقمار مراقبة لصالح أقسام الشرطة والوكالات الحكومية الأخرى.
وليست «فلوك» الشركة الوحيدة التي تدخل الذكاء الاصطناعي إلى مراقبة المدارس؛ إذ تقدم شركتا «زيرو آيز» و«أومني أليرت» خدمات مماثلة للمناطق التعليمية، وأحيانًا عبر دمجها مباشرة في الأنظمة الأمنية القائمة. وتستخدم «أومني أليرت» الذكاء الاصطناعي لرصد الأسلحة، وتقول إنها رصدت أكثر من 3,000 حالة «كشف أسلحة بالذكاء الاصطناعي» في 2025.
لكن الشركة واجهت انتقادات في الخريف الماضي بعدما أدى نظام كشف في مدرسة كينوود الثانوية بمدينة بالتيمور إلى اقتراب الشرطة من طالب ثانوي وبنادقهم مسلطة عليه. واتضح بعد تفتيش الطالب أن ما بدا للنظام سلاحًا لم يكن سوى كيس من رقائق «دوريتوس». وقالت الشركة إن نظامها عمل وفق التصميم: رصد تهديدًا محتملًا، وأحاله إلى مراجعة بشرية، واعتمد على موظفي السلامة المخولين لاتخاذ القرار النهائي، مضيفة أن مدير المدرسة صعّد الموقف خطأ بعد أن استبعده فريق أمن المدرسة.
وقال كينيث ترامب، وهو مستشار أمني لا تربطه صلة قرابة بالرئيس، وعمل في مجال سلامة المدارس 40 عامًا، إن المشكلة ليست بالضرورة في التكنولوجيا ذاتها، بل في سرعة نشرها. وأضاف أن التكنولوجيا لم تنضج بعد بما يكفي للاعتماد عليها على نطاق كامل، محذرًا من أن تجهيز مدرسة بتكنولوجيا قيمتها مليون دولار لن يكون بفاعلية وجود بالغين ظاهرين في الممرات، يتواصلون مع الطلاب ويبنون علاقات معهم ويشرفون عليهم بصورة مباشرة.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!