تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية في المغرب التي جرت في 23 سبتمبر، بحصوله على 97 مقعدا في مجلس النواب، متقدما على التجمع الوطني للأحرار الذي نال 66 مقعدا وحزب الاستقلال الذي حصل على 65 مقعدا. وتمنح هذه النتيجة الحزب صدارة برلمانية للمرة الأولى منذ تأسيسه قبل 18 عاما.
وزاد الحزب، المعروف شعبيا باسم «الجرار» نسبة إلى رمزه الانتخابي، نحو 10 مقاعد مقارنة بانتخابات 2021، حين حل ثانيا بـ87 مقعدا. في المقابل، خسر التجمع الوطني للأحرار أكثر من ثلث مقاعده السابقة، متراجعا من 102 مقعد إلى 66، فيما بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 38.02 بالمئة.
وينتقل الأصالة والمعاصرة من موقع ثاني أكبر مكونات الائتلاف الحكومي المغربي المنتهية ولايته إلى الحزب المتصدر في البرلمان، بعد تاريخ قضى خلاله معظم سنواته في المعارضة، قبل دخوله الحكومة للمرة الأولى عام 2021.
مسار الحزب
تأسس الحزب في أغسطس 2008، بعد أشهر من إطلاق «حركة لكل الديمقراطيين» بمبادرة من فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في الداخلية، وذلك إثر اندماج خمس تشكيلات سياسية. ووصفت صحيفة «Le Brief» المغربية نشأته بأنها جاءت في سياق إعادة ترتيب المشهد السياسي ومواجهة الصعود السريع لحزب العدالة والتنمية، ضمن تركيبة ضمت منتخبين وأعيانا ورجال أعمال وشخصيات من اليسار والحركة الحقوقية.
وأثارت علاقة الحزب بمؤسسه جدلا سياسيا لدى خصومه منذ البداية. لكنه حقق حضورا سريعا في الانتخابات المحلية، فتصدّر انتخابات الجماعات عام 2009 بعد أقل من عام على تأسيسه، ثم حصل في انتخابات 2015 على 6655 مقعدا جماعيا وفاز برئاسة خمس من جهات المغرب الاثنتي عشرة.
برلمانيا، حصد الحزب 47 مقعدا في انتخابات 2011 وبقي في المعارضة، ثم قفز إلى 102 مقعد في 2016، لكنه حل ثانيا خلف العدالة والتنمية واستمر خارج الحكومة. وفي 2019 وصل الخلاف بين أمينه العام حكيم بنشماش وخصومه في تيار «نداء المستقبل» إلى المحاكم، قبل تسوية الأزمة وانتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما في فبراير 2020.
وفي 2021 تراجع الحزب إلى 87 مقعدا، لكنه احتفظ بالمركز الثاني وانضم إلى ائتلاف حكومي ضم التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. وتولى وزراؤه حقائب العدل والإسكان والتشغيل والطاقة والشباب والثقافة والتواصل وغيرها. وفي فبراير 2024، اعتمد الحزب قيادة جماعية بدلا من نموذج الأمين العام الواحد، تنسقها فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب محمد مهدي بنسعيد، ثم فاطمة السعدي لاحقا، بعد خروج صلاح الدين أبو الغالي من القيادة.
حصيلة حكومية وانتقادات
أتاح دخول الحزب إلى الحكومة المغربية تقديم نفسه استنادا إلى حصيلة تنفيذية. ففي قطاع الإسكان الذي تشرف عليه المنصوري، أطلقت السلطات برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن، وقالت الوزيرة في أكتوبر 2025 إن أكثر من 71 ألف شخص استفادوا منه، وبينهم نسبة كبيرة من النساء والشباب ومغاربة الخارج.
وفي وزارة العدل، دخل قانون العقوبات البديلة حيز التطبيق عام 2025، متضمنا العمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية وبدائل أخرى للعقوبات السجنية القصيرة، ضمن الإصلاحات المنسوبة إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
لكن الحزب واجه أيضا ملفات أثرت في صورته، منها احتجاجات واتهامات بالمحاباة على خلفية امتحان المحاماة الذي أشرفت عليه وزارة العدل في عهد وهبي. وفي ديسمبر 2023، أوقف اثنان من أبرز منتخبي الحزب، سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي، في القضية المعروفة إعلاميا باسم «إسكوبار الصحراء»، وأعلن الحزب آنذاك نأيه بنفسه عن المتهمين وتشديده على مسؤوليتهم الفردية أمام القضاء.
وظلت البطالة والقدرة الشرائية والفوارق بين المناطق من أبرز الانتقادات الموجهة إلى مكونات الائتلاف الحاكم، وهي قضايا وضعها الحزب في صدارة برنامجه الانتخابي لعام 2026. وقال القيادي محمد مهدي بنسعيد خلال الحملة إن الحزب لا يدعي أن «كل شيء على ما يرام».
برنامج وتحالفات مرتقبة
اعتمد الحزب قبل الاقتراع استراتيجية تجمع بين الإبقاء على منتخبين ذوي قواعد محلية واستقطاب وجوه جديدة. وفي يوليو، أعلن 90 رئيس لائحة، بينهم 52 شاركوا في انتخابات 2021 و38 وجها جديدا، مع حضور واسع لرجال الأعمال وأصحاب المهن الحرة والمنتخبين المحليين.
كما استقطب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، ورئيس جهة الداخلة–وادي الذهب ينجا الخطاط، إلى جانب برلمانيين ومنتخبين من أحزاب أخرى. واعتبرت قيادة الحزب هذه الاستقطابات جزءا من توسيع قاعدته الانتخابية، فيما تناولتها الصحافة المغربية باعتبارها من عناصر قوته التنظيمية.
وسعت القيادة الجماعية إلى تقديم الحزب بصورة مختلفة عن مرحلة وهبي، مع حضور المنصوري في الواجهة السياسية وتحرك لقجع في مدن عدة خلال الحملة للدفاع عن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي. وحاول الحزب في الوقت نفسه بناء مسافة عن التجمع الوطني للأحرار رغم مشاركته معه في الائتلاف الحكومي.
وحمل البرنامج شعار «تغيير المسار»، وتوزع على خمسة مواثيق و20 التزاما، بكلفة إضافية قدرها الحزب بنحو 350 مليار درهم خلال 5 سنوات. وتضمن خلق ما لا يقل عن مليون وظيفة صافية، وتحقيق نمو متوسط بنسبة 5 بالمئة بين 2027 و2031، وخفض ضريبة الدخل، ورفع معاشات التقاعد الدنيا، وزيادة الدعم الاجتماعي، وإعادة تنظيم شبكات توزيع السلع للحد من الوسطاء.
ووضع الحزب الشباب في قلب برنامجه، مستندا إلى تقديرات تشير إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب تراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما خارج العمل والدراسة والتكوين، واقترح إدماج نحو 300 ألف شاب سنويا عند بلوغ البرنامج طاقته الكاملة.
ولا تكفي المقاعد الـ97 التي حصل عليها الحزب لتأمين أغلبية منفردة في مجلس النواب المغربي المؤلف من 395 نائبا، إذ تتطلب الأغلبية 198 مقعدا. ويضع ذلك الحزب أمام مشاورات وتحالفات لتشكيل أغلبية برلمانية بعد تثبيت النتائج النهائية.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!