توسع سويسرا تعاونها الدفاعي مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما في ذلك الانضمام في يوليو/تموز الماضي إلى شراكة للتوريد المشترك للذخيرة، في وقت يثير فيه هذا المسار خلافًا داخليًا حول مدى توافقه مع مبدأ الحياد. ويطرح حزب الشعب السويسري اليميني تعديلًا دستوريًا على الاستفتاء لتعريف الحياد بصورة أكثر صرامة، بينما تعارضه الحكومة الفدرالية والأحزاب السياسية الرئيسية.
ولا يقدم الدستور السويسري تعريفا دقيقا للحياد، رغم الاعتراف الدولي بوضع سويسرا المحايد منذ مؤتمر فيينا عام 1815، ثم إقراره في اتفاق لاهاي عام 1907. واحتفظت برن بهامش تقديري في تطبيق سياسة أوسع وأكثر مرونة من المفهوم الضيق للحياد.
وجاءت مبادرة حزب الشعب عقب تبني الحكومة الفدرالية السويسرية، إلى حد كبير، العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو بسبب الحرب على أوكرانيا، وهو ما أثار اعتراض مؤيدي التفسير المتشدد للحياد. ويريد الحزب أن ينص الدستور على عدم انضمام سويسرا إلى أي تحالف عسكري أو دفاعي أو التعاون معه، إلا إذا تعرضت لهجوم، وألا تنضم إلى عقوبات ما لم توافق عليها الأمم المتحدة.
وترى الحكومة الفدرالية والأحزاب الرئيسية أن المبادرة قد تحول الحياد إلى عزلة. في المقابل، يدعو مؤيدو ما يسمى «الحياد النشط» إلى إتاحة تعاون خارجي أوثق في مجالات مثل الأمن السيبراني والدفاع الجوي. وبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء، قد تزيد المبادرة الضغط على خطط التعاون مع الناتو، في ظل ارتفاع الإنفاق الدفاعي في أنحاء أوروبا.
ويربط مؤرخون نشوء الحياد السويسري الحديث بهزيمة الكونفدراليين السويسريين أمام الفرنسيين وحلفائهم الإيطاليين في معركة مارينيانو عام 1515، إذ أنهت طموحاتهم في التوسع العسكري. واعترفت الدول الأوروبية بالحياد رسميا عام 1815، قبل تضمينه في الدستور عام 1848. وساعد الحياد سويسرا على تجنب الانحياز الرسمي خلال الحربين العالميتين، إلا أن تطبيقه واجه اختبارات متعددة.
وقال المؤرخ السويسري توماس مايسن، الأستاذ في جامعة هايدلبرغ، إن حياد الدولة المحاطة بصراع مسلح له حدود. وأشار، استنادا إلى سجلات الحرب العالمية الثانية، إلى أن سويسرا وجدت نفسها محاصرة بدول المحور بعد هزيمة فرنسا عام 1940، وأنها دعمت الرايخ الثالث اقتصاديا رغم حيادها النظري، لعدم وجود مخرج واقعي آخر غير مساعدة ألمانيا في مجهودها الحربي.
وتشارك القوات السويسرية في بعثة لحفظ السلام في كوسوفو منذ عام 1999، ومددت مشاركتها حتى عام 2029، وهي أكبر مهمة عسكرية خارجية للجيش السويسري. ومنذ عام 2025، شاركت برن في مشاريع مختارة ضمن التعاون الهيكلي الدائم للدفاع التابع للاتحاد الأوروبي، المعروف باسم «بيسكو»، وعززت شراكتها مع الناتو في مجالات القوة الجوية والاتصالات والفضاء والقدرة على الصمود. وتهدف شراكة التوريد المشترك للذخيرة إلى خفض التكاليف وتقليص فترات التسليم، بحسب المكتب الاتحادي للمشتريات الدفاعية.
وقال المحلل السياسي الألماني كيرستن كنيب إن تعاون سويسرا مع الناتو لا يجعلها عضوا في الحلف، ولذلك لا يترتب عليها التزام بالمساعدة العسكرية المتبادلة. وأضاف أن سويسرا تشارك منذ عام 1996 في برنامج «الشراكة من أجل السلام»، وتتعاون مع الحلف في التدريب والمناورات والتكنولوجيا وتبادل معلومات السياسة الأمنية، وهو ما يعتبره المجلس الفدرالي السويسري منسجما مع الحياد.
وبعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا عام 2022، أقر البرلمان السويسري زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2032، مع بحث تحديث القوات المسلحة وجاهزيتها لمواجهة الحرب الهجينة والتجنيد الإلزامي. وأعلن الجيش قبل عام خططا لتأهيل آلاف الملاجئ الحربية القديمة المتروكة منذ تسعينيات القرن الماضي وتحويلها إلى نقاط دفاعية يصعب مهاجمتها باستخدام تقنيات حديثة.
وأظهرت دراسة «الأمن 2025» للأكاديمية العسكرية السويسرية أن 53% من السويسريين يؤيدون توثيق العلاقات مع الناتو، فيما يدعم 32% عضوية سويسرا في الحلف. وكان السفير الأمريكي السابق لدى سويسرا سكوت ميلر قد قال عام 2023 إن سويسرا تستفيد من حماية الدول الأعضاء في الناتو من دون تقديم إسهامات.
ويرى كنيب أن العضوية في الناتو تختلف عن التعاون معه بسبب التزام المساعدة العسكرية المتبادلة، وأن التعاون الدولي قد يعزز قدرات سويسرا الأمنية، لكنه يثير مع كل خطوة إضافية سؤالا بشأن الحد الذي يمكن أن تبلغه الدولة المحايدة في تعاونها مع تحالف عسكري من دون تقويض حيادها سياسيا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سيصوت السويسريون أيضا على السماح بتصدير الأسلحة إلى مجموعة محددة من 25 دولة، معظمها غربية، حتى إذا كانت تلك الدول منخرطة في نزاع قائم.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!