قال رئيس بلدية زوطر الغربية في جنوب لبنان، عبد عز الدين، إن خطة «المنطقة التجريبية» لم تنجح في البلدة التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية في يوليو/تموز، في أول اختبار لخطة مدعومة من الولايات المتحدة للانسحاب التدريجي من جنوب لبنان مقابل نزع سلاح حزب الله. وعزا عز الدين ذلك أساسًا إلى استمرار انقطاع خدمات عامة، بينها الكهرباء والمياه الجارية، بينما يقول سكان إن قرب القوات الإسرائيلية منهم ومواصلة الهدم في البلدات المجاورة يعرقلان عودتهم إلى حياة مستقرة.
تصف مريم الياغي الزجاج المهشم في منزلها بزوطر الغربية، وآليات عسكرية تراها في بلدة مجاورة لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها. وتقول إن دوريات إسرائيلية تمر ليلًا على مسافة تسمع منها أصوات أفرادها، وإن طائرة مسيّرة إسرائيلية صغيرة تراقبها كثيرًا خلال عملها في حديقة منزلها. وتسمع في الصباح انفجارات ناجمة عن هدم منازل في بلدات مجاورة، باستخدام تفجيرات متحكم فيها وجرافات.
وبعد مرور شهرين على الانسحاب من زوطر الغربية، لم يُتفق على إنشاء «مناطق تجريبية» أخرى. ويقول سكان البلدة إن تجربتها لا تصلح نموذجًا يُحتذى. وأبلغ الجيش الإسرائيلي وكالة رويترز بأن عمله لإزالة ما وصفه بتهديد أسلحة حزب الله لم يكتمل، وأن المسيّرات تُستخدم لرصد التهديدات، فيما تهدف القيود المفروضة على حركة السكان، بحسب قوله، إلى حماية قواته.
في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لرويترز إن عملية «المنطقة التجريبية» تمثل، في رأيه، «المسار الوحيد القابل للتطبيق» لتحقيق الأمن للبنان وإسرائيل. وأضاف أن توسيعها سيأتي بعد تنفيذ الجيش اللبناني عمليات تمشيط في المنطقة الأولى، وأن نزع سلاح حزب الله جزء لا يتجزأ من العملية.
عاد نحو 70 عائلة إلى زوطر الغربية، ويعيش معظم أفرادها في الأجزاء التي لم تتضرر من منازلهم. ويقول سكان إن العودة في يوليو/تموز اقترنت بالفرح والحزن معًا، بعدما وجدوا منازل مدمرة وقوات إسرائيلية قريبة. ولم يعد سوى عدد قليل من جيران مريم بعد تسوية منازلهم بالأرض. وفي حديقتها، تظهر آثار جنازير الدبابات وأشجار زيتون اقتُلعت من جذورها، فيما تأمل جني ما تبقى من المحصول.
ويقول سكان تقع بساتينهم قرب مواقع القوات الإسرائيلية إن الوصول إلى أشجارهم يتطلب طلب السماح عبر آلية تنسيق تقودها الولايات المتحدة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وسخر بعضهم من اضطرارهم إلى طلب الإذن لقطف الزيتون، بينما يخشى آخرون صدور الموافقة بعد انتهاء موسم الحصاد. وعلى مقربة من زوطر الغربية تقع زوطر الشرقية، التي لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها وتواصل فيها عمليات الهدم.
واختارت عائلات كثيرة العودة رغم الأضرار بدلًا من دفع إيجارات في أماكن أخرى أو البقاء في مراكز إيواء للنازحين. وسلّم مجلس الجنوب التابع للدولة اللبنانية 16 منزلًا جاهزًا لأسر أصبحت منازلها غير صالحة للسكن، لكن معظم المنازل الجديدة ما زال خاليًا لغياب الكهرباء والمياه.
اتفاق الإطار والهجمات في الجنوب
قبل نحو 7 أشهر، فرّ أكثر من مليون لبناني من منازلهم مع بدء غارات جوية إسرائيلية واجتياح بري بالتوازي مع الحرب على إيران. وأصبح إنهاء الحرب في لبنان شرطًا إيرانيًا لأي اتفاق، ما دفع واشنطن إلى الضغط للتوصل إليه. ورغم محادثات لبنانية إسرائيلية استمرت أشهرًا بوساطة أمريكية، والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في يونيو/حزيران، تواصلت ضربات إسرائيلية أسفرت عن عشرات القتلى والمصابين. ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أراضٍ لبنانية ضمن ما أعلنته من جانب واحد «منطقة أمنية» تضم عشرات القرى، دُمر كثير منها.
وفي الخميس الذي تناولته المادة، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن إسرائيل تخالف «اتفاق الإطار» الموقع برعاية أمريكية وتواصل أعمالها في القرى والبلدات الجنوبية. وجاء تصريحه خلال استقباله السيناتور الأمريكي عن ولاية أوكلاهوما جيمس كلانفورد، بحضور السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى. وأكد عون التزام لبنان بتنفيذ الاتفاق وسعيه إلى الضغط على إسرائيل للالتزام به، داعيًا إلى وقف تدمير المنازل والمنشآت في المناطق التي تحتلها واستكمال إعادة الأسرى. وقال إن سكان الجنوب يتطلعون إلى بسط سلطة الدولة ونشر الجيش حتى الحدود المعترف بها دوليًا، وإن الجيش يحتاج إلى معدات وآليات لتنفيذ مهامه.
وأعلنت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية أن المدفعية الإسرائيلية قصفت الخميس وادي زبقين وبلدة المنصوري ومحيط حداثا وبرعشيت، ورصدت تحليق مسيّرات على علو منخفض فوق صور ومحيطها. وذكرت أن غارات يوم الأحد السابق استهدفت النبطية الفوقا ووادي السلوقي والقنطرة والمنطقة بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت، فضلًا عن المنصوري.
وتزامنت غارات الأحد، بحسب المادة، مع قصف مدفعي طال وادي زبقين ووادي الحجير ووادي السلوقي وسهل الخيام، وامتد إلى حداثا وحاريص وزوطر الشرقية وكفرتبنيت وبرعشيت والنبطية الفوقا. ونفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في بيت ياحون وحولا وطلوسة والمنصوري وعيترون وأطراف برعشيت، وأطلقت قنابل مضيئة فوق المنصوري وكونين. وفي السبت السابق، فجّر الجيش الإسرائيلي مبنى مدرسة خاصة في حولا بعد تفخيخه، ما أدى إلى تدميره، وأُحرقت منازل في البلدة.
وتستمر هذه الهجمات رغم توقيع «اتفاق الإطار» في 26 يونيو/حزيران، الذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. ولا تزال إسرائيل تسيطر على مناطق في الجنوب، بعضها منذ عقود وأخرى سيطرت عليها خلال حروب وعمليات عسكرية أخيرة.
وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في كلمة يوم الثلاثاء السابق، إن إسرائيل لن تتمكن من البقاء في جنوب لبنان، وإن «المقاومة مستمرة طالما أن العدوان الإسرائيلي موجود». ورفض مطالبة حزبه بتقديم تنازلات مقابل انسحاب إسرائيل، قائلًا إن الاتفاقات القائمة لم تُحترم، وانتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل.
الخسائر المعلنة
بحسب السلطات اللبنانية، أسفر الهجوم الإسرائيلي المستمر منذ 2 مارس/آذار عن ما لا يقل عن 4386 قتيلًا و12413 جريحًا وأكثر من مليون نازح. أما حصيلة القتلى والجرحى منذ بدء الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، على خلفية الحرب على قطاع غزة، فبلغت 8953 قتيلًا و30649 جريحًا، وفق أحدث إحصائية لوزارة الصحة اللبنانية بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول.
وتشير الأرقام الواردة في المادة إلى تدمير عشرات الآلاف من الوحدات السكنية بالكامل، ونحو 65 ألفًا جزئيًا، وإلحاق أضرار طفيفة بنحو 320 ألفًا. وقُدرت خسائر القطاع الزراعي بنحو 530.5 مليون دولار في تقييم مشترك لوزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني اللبناني للبحوث العلمية ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. وتقول وزارة الزراعة إن الأضرار طالت نحو 22.5% من الأراضي الزراعية في لبنان.
وفي منتصف سبتمبر/أيلول، قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إن الهجومين الإسرائيليين في عامي 2023 و2026 كلّفا لبنان أكثر من 20 مليار دولار، وإن الكلفة الإجمالية قد تتجاوز 27 مليار دولار عند اكتمال احتساب خسائر حرب 2026.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!