كشفت وقائع سرقة حمام سباق نخبوي في بلجيكا عن شبكة إجرامية يصفها العاملون في هذا المجال بـ«مافيا الحمام»، بعدما تحولت الطيور الفائزة إلى هدف لعصابات تستغل قيمتها العالية في السباقات والتكاثر.
وبدأت القصة مع البلجيكي توم فان غافر، الذي استيقظ ليجد أن أحدهم اقتحم مكانه وسرق حمامة ثمينة اسمها فين، تزن رطلاً واحداً ويبلغ طولها 11 بوصة. ورغم أن الطائر لا يبدو مميزاً للعين غير الخبيرة، فإنه كان سريعاً وقوياً على نحو استثنائي، إذ فاز بعدة بطولات في بلجيكا قبل أن يبلغ عامه الأول. وقال فان غافر إن فين كان بمثابة «سيكريتاريت الطائر» وإنه كان يبيع نسله مقابل ما يصل إلى 100 ألف دولار للطائر الواحد.
وأظهر تسجيل مراقبة من نوفمبر 2024 لصاً ملثماً وهو يتفقد سبع حمامات من طيور فان غافر ثم يضعها في حقيبة. وقال فان غافر في ملفات قضائية إن القيمة الإجمالية للطيور المسروقة تجاوزت 1.6 مليون دولار.
وتأتي هذه السرقة ضمن 35 عملية سطو على حمام السباق في بلجيكا خلال السنوات الثلاث الماضية، في موجة امتدت أيضاً إلى بريطانيا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة. ويقول المطلعون إن العصابات الدولية تقف وراء شبكات تهريب تُكاثر الحمام المسروق وتبيع نسله في السوق السوداء إلى مشترين يسعون إلى تحسين سلالاتهم.
وتعود جذور سباق الحمام إلى بلجيكا في القرن التاسع عشر، حيث كان المربون المحليون يطلقون الطيور من مسافات بعيدة ويقيسون الزمن الذي تستغرقه للعودة إلى أعشاشها. أما اليوم، فتتركز الأموال الكبرى في سباقات «اللوفت الواحد»، حيث تتجاوز الجوائز مليون دولار في سباقات تقام في جنوب أفريقيا وتايلاند والولايات المتحدة. ويُرسل المربون طيورهم الواعدة، التي يتراوح عمرها بين 45 و60 يوماً، إلى حظيرة واحدة قبل أشهر من يوم السباق كي تتعرف إليها كأنها بيتها.
وفي أكتوبر، تابع فريق البرنامج سباق «ألغارف غولدن ريس» في البرتغال، حيث تنافس 7400 حمامة من أكثر من 30 دولة، ووصل 3334 طائراً إلى المرحلة النهائية. وتم مسح كل طائر في قاعدة بيانات عبر الحلقة المثبتة في ساقه، ثم نُقلت الطيور لمسافة 300 ميل عن الحظيرة وأُطلقت. وبعد ست ساعات، أعلن مراقب عبر صفارة أن المتصدرين يدورون في السماء، وكان أول طائر يدخل الحظيرة هو الفائز بأكبر حصة من الجائزة البالغة 1.2 مليون دولار.
وفي اليوم التالي للسباق، تُعرض الطيور المتصدرة في مزادات على المربين الراغبين في إنتاج الجيل التالي من الأبطال. لكن هذه الأسعار تبدو متواضعة مقارنة بما تحققه الطيور النخبوية على أكبر منصة مزادات في هذه الرياضة. ففي عام 1998، أطلق نيكولااس غيسلبريخت موقعاً إخبارياً للمربين باسم Pigeon Paradise، أو PIPA اختصاراً، ثم بدأ بيع الطيور عبر الإنترنت. وتحقق المنصة اليوم نحو 46 مليون دولار سنوياً من مبيعات الحمام، ويذهب نحو نصفها إلى مشترين صينيين. وسُجل الرقم القياسي في 2020 عندما بيعت حمامة بلجيكية من نوع أنثى باسم نيو كيم مقابل 1.8 مليون دولار.
وتقول التحقيقات إن ارتفاع الأسعار جعل الحمام هدفاً للعصابات، مع اعتقاد بأن شبكات دولية تقف وراء تهريب الطيور المسروقة وتربية نسلها وبيعه. وفي محاولة جريئة في ديسمبر، اعترضت السلطات على حدود لاتفيا مع روسيا حقيبة مليئة بالحمام محشوة داخل جوارب.
وفي بلجيكا، قادت عمليات تتبع الكاميرات وبيانات الهواتف المحمولة المحققين إلى ضاحية في بروكسل وإلى منزل أحد مربي الحمام الرومانيين. كما فتشت الشرطة الرومانية، على بعد 1200 ميل، منازل أقارب ذلك المربي. وفي المجمل، تم العثور على 165 حمامة، بدا أن 87 منها مسروقة من بلجيكا. ونُقلت الطيور المستعادة إلى حظيرة آمنة قرب بروكسل تحت إشراف الاتحاد الوطني البلجيكي للحمام، فيما رتبت الشرطة اختبارات الحمض النووي لمطابقة كل طائر بمالكه الحقيقي بعد قص الحلقات التعريفية من أرجلها.
ومع استمرار نشاط «مافيا الحمام»، لجأ مربون في بلجيكا إلى تركيب أجهزة استشعار للحركة وأشعة ليزر وكاميرات مراقبة حول حظائرهم، فيما توقف بعضهم عن حضور السباقات خشية أن يكشفوا للسرّاق أنهم بعيدون عن منازلهم.
وأثبت تحليل الحمض النووي أنه سلاح مهم في مواجهة هذه العصابات. ويحتفظ الطبيب البيطري روبن لانكرييت بقاعدة بيانات تضم أكثر من 70 ألف طائر تمتد إلى أكثر من 10 أجيال، ويقول إن هذا السجل الجيني مهم لإثبات النسب عند بيع الحمام. ويساعد ذلك في التعرف إلى الطائر المسروق أو إلى نسله، ما يجعل بيعه أو سباقه أكثر خطورة.
وبحسب ما ورد، ساعد تحليل لانكرييت في تحديد 20 طائراً مستعاداً، من بينها اثنان من أحفاد فين، لكن فين نفسه لم يكن من بينها. كما أُدين ثمانية متهمين في القضية المرتبطة بسرقة فين، وحُكم على العقل المدبر بالسجن 30 شهراً. ومع ذلك، لا يزال فان غافر يبحث عن طائره المفقود، قائلاً إنه يريد استعادته.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!