واشنطن — قال مصدران إقليميان لصحيفة «نيويورك بوست» إن قادة إيران يتصارعون في ما بينهم بقدر صراعهم مع الغرب تقريبًا، في وقت يسعى سياسيون بارزون إلى إنقاذ المحادثات مع الولايات المتحدة، بينما يميل الحرس الثوري الإيراني، صاحب النفوذ الواسع، إلى مواصلة الحرب المتجددة.
ومع تواري المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، لا يوجد، وفق المصادر، من يستطيع إعادة الفصائل المتنافسة إلى الانضباط، ما قد يجعل مستقبل الصراع مرهونًا بصراع السلطة في طهران أكثر من كونه مرهونًا بواشنطن.
وكشف الانقسام المتنامي، بحسب المصادر، عن مركزي قوة متنافسين داخل طهران: قيادة مدنية تحاول الحفاظ على مسار دبلوماسي هش، ومتشدّدون عسكريون مصممون على إبقاء الضغط عبر المواجهة.
وقال المصدران إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يريدون الإبقاء على الحوار مع الولايات المتحدة ومنع القتال من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة جديدة. لكن سلطة هؤلاء تراجعت تدريجيًا، بحسب مصدر إقليمي مطلع على الديناميات الداخلية في إيران.
وقال المصدر إن السياسيين «يمكنهم توقيع الاتفاقات، لكنهم لا يستطيعون منع الحرس الثوري من التحرك أو منع البرلمان من سن تشريعات تتجاوزهم». وأضاف أن الحرس الثوري بات، بدلًا من كسب معاركه السياسية الداخلية، يفرض «وقائع على الأرض» من خلال العمل العسكري، ثم يتحرك نواب متشددون لاحقًا لتكريس تلك الوقائع في القانون.
وأوضح المصدر أن المتشددين لا يحتاجون إلى كسب النقاشات الداخلية، لأنهم يفرضون الوقائع ثم يدفعون البرلمان إلى إضفاء الشرعية عليها لاحقًا، مضيفًا أن التحول أصبح الآن قانونًا، وهو ما يجعل التراجع عنه أصعب بكثير.
وقال بهنام بن طالبلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن الفارق بين السياسيين الذين يتحدثون علنًا عن الدبلوماسية والمؤسسة الأمنية التي تتخذ القرارات في ساحات القتال مسألة جوهرية. وأضاف أن بعض السياسيين، بمن فيهم وزير الخارجية الإيراني، يتحدثون أحيانًا عن الحوار، لكن من «يقودون القطار» ومن يملكون قرار إطلاق النار ويتخذون بعض أهم القرارات، ما زالوا يتحدثون ويتصرفون كما لو أن التصعيد، لا الانخراط الدبلوماسي، هو ما يضمن بقاءهم.
وقال بن طالبلو إن طهران اعتادت تاريخيًا الموازنة بين الدبلوماسية والضغط العسكري في آن واحد، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن النظام يراهن بصورة متزايدة على المواجهة. وأضاف أن الانقسام موجود فعلًا، لكن الأهم هو تحديد من وما الذي يملك التأثير الحقيقي، وأن القوى المؤثرة تبدو ماضية في تكثيف التصعيد.
تعاظم نفوذ الحرس الثوري
وبحسب المصدر، بات الانقسام أكثر وضوحًا خلال الأسابيع الأخيرة. ففي مراسم تشييع آية الله علي خامنئي، شغل أعضاء من الحرس الثوري الصفوف الأمامية بدلًا من المسؤولين المدنيين، في دلالة على تزايد نفوذ المؤسسة العسكرية. وأضاف المصدر أن عددًا من الخطابات المتلفزة للقيادة السياسية الإيرانية خضع لتحرير جزئي قبل بثه بدلًا من إذاعته مباشرة، ما أثار مزيدًا من التساؤلات بشأن الجهة التي تتحكم في الرسائل العامة للدولة.
وقال التقرير إن الحرس الثوري حاضر في معظم مؤسسات طهران، بينما يتحرك البرلمان أيضًا لتقويض المسار الدبلوماسي. فقد أيد نحو 180 عضوًا من أصل 290 في المجلس إجراءً يعتبر مذكرة التفاهم في إسلام آباد ميتة فعليًا، كما تقدم المشرعون بصورة منفصلة في مشروع قانون قدمه النائب إبراهيم عزيزي بعنوان «العمل الاستراتيجي لأمن وتقدم مستدامين في مضيق هرمز والخليج الفارسي».
ورأى بن طالبلو أن النظام يبدو مقتنعًا بأن الحرب ما زالت تخدم مصالحه رغم تكبده خسائر عسكرية كبيرة. وقال إنهم يعتقدون بوجود قيود حقيقية تمنع الرئيس دونالد ترامب من التصعيد، وبأن التصعيد يتيح مكاسب حقيقية، مضيفًا أنهم الطرف الذي تجاوز مذكرة التفاهم ويعتقد أن من حقه الرد في كل مرة ترد فيها الولايات المتحدة.
وبدا الانقسام أكثر وضوحًا الثلاثاء، حين توجهت شخصيات سياسية إيرانية بارزة إلى باكستان، التي تقوم بدور الوسيط، في محاولة للإبقاء على القنوات الدبلوماسية مفتوحة. وقال مصدر إقليمي إنهم يريدون الوساطة، مضيفًا أن القيادة المدنية قد تصبح أكثر قوة الآن بعدما «يعرف الحرس الثوري أنه لن يحصل على أسلحة من أي سوق أخرى بعد الآن».
وفي الظروف المعتادة، كان من المتوقع أن يحسم المرشد الأعلى مجتبى خامنئي هذا النزاع الداخلي. لكنه لم يظهر علنًا منذ القصف الذي وقع في 28 فبراير وقتل والده ووضعه في موقع السلطة. واقتصر ظهوره على بيانات مكتوبة، من دون خطابات أو إطلالات متلفزة أو حتى حضور جنازات عائلية.
وقال بن طالبلو إنه إذا خرج خامنئي من مخبئه، أو ثبت أنه موجود بالفعل، فقد يتمكن من حشد بعض فصائل الجمهورية الإسلامية لمجرد نجاته رغم الصعاب. لكنه أضاف أن غيابه عن جنازة والده وعدم ظهوره طوال هذه الفترة بصفته المرشد الأعلى الجديد يكشفان الكثير عن الجهة التي تحرك الخيوط.
وأدى غياب المرشد الأعلى إلى زيادة الغموض حول من يدير بالفعل قرارات إيران الاستراتيجية، كما أتاح للفصائل المتنافسة مجالًا أوسع لمتابعة أجندات متعارضة. وقال أحد المصادر: «لم يعد هناك أحد يجبر الطرفين على الاصطفاف».
وحذر بن طالبلو من أن واشنطن ينبغي ألا تفسر الخطاب الدبلوماسي للسياسيين الإيرانيين على أنه تغير في استراتيجية النظام الأساسية، معتبرًا أن المسألة ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تتحدث إلى الأشخاص الخطأ، بل ما الذي يمكن أن تحققه المحادثات.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!