أدانت محكمة جنايات دمشق في سوريا، الثلاثاء، الرئيس السوري السابق بشار الأسد بالقتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأصدرت بحقه حكما غيابيا بالإعدام، هو أول حكم قضائي سوري بحقه منذ سقوط نظامه وفراره إلى روسيا في ديسمبر 2024. ويضع الحكم ملف تسليمه أمام معاهدة نافذة للتسليم والتعاون القضائي بين سوريا وروسيا، لكنه يواجه عقبة رئيسية تتمثل في عقوبة الإعدام.
وكانت سوريا وروسيا قد وقعتا المعاهدة في سان بطرسبورغ بتاريخ 29 يونيو 2022. وصدّق الأسد عليها في العام نفسه، فيما أقرّتها روسيا بقانون اتحادي وقّعه الرئيس فلاديمير بوتين في أبريل 2023، قبل دخولها حيز التنفيذ في 5 يونيو من ذلك العام.
نطاق المعاهدة وإجراءات الطلب
تلزم المادة الأولى من المعاهدة الطرفين بتسليم الأشخاص المطلوبين للملاحقة الجنائية أو لتنفيذ الأحكام القضائية في الجرائم المشمولة بالتسليم. وتنص المادة الثانية على سريانها على الطلبات التي تقدم بعد نفاذها، حتى إذا تعلقت بجرائم وقعت قبل ذلك التاريخ.
وبذلك، لا يكون تاريخ الوقائع المنسوبة إلى الأسد، التي تعود إلى عام 2011 والسنوات اللاحقة، سببا كافيا بحد ذاته لرفض طلب تسليم محتمل. وتشترط المعاهدة أن يكون الفعل مجرّما في الدولتين وأن يستوجب السجن لمدة عام واحد على الأقل أو عقوبة أشد. وتنطبق هذه الشروط من حيث المبدأ على اتهامات القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي، رغم اختلاف توصيف جرائم ضد الإنسانية بين النظامين القانونيين.
وتنص الإجراءات على أن ترسل وزارة العدل السورية طلب التسليم ووثائقه مباشرة إلى مكتب المدعي العام الروسي، على أن يتضمن الحكم ومذكرة القبض وبيانات هوية المطلوب وملخص الوقائع والأدلة والنصوص القانونية ذات الصلة.
عقوبة الإعدام ومسار إعادة المحاكمة
تمنع المادة الخامسة من المعاهدة التسليم إذا كانت الجريمة تستوجب الإعدام في الدولة الطالبة، ما لم تقدم تلك الدولة ضمانا تعتبره موسكو كافيا بعدم تنفيذ العقوبة. لذلك، يمكن لروسيا الاستناد إلى حكم الإعدام لرفض تسليم الأسد.
ولتجاوز هذا المانع، يتعين على السلطات السورية تقديم تعهد رسمي وملزم بعدم تنفيذ الإعدام أو باستبداله بعقوبة سالبة للحرية. وقد تطلب موسكو كذلك ضمانات تتعلق بسلامة الأسد وظروف احتجازه وعدالة محاكمته.
كما تتيح المعاهدة رفض التسليم إذا اعتبرت الدولة المطلوب منها أن الطلب يستهدف الشخص بسبب معتقداته السياسية، أو أن التسليم قد يضر بسيادتها أو أمنها أو نظامها العام أو مصالحها الأساسية. ويمنح هذا البند روسيا مجالا واسعا لتقديرها في قرار التسليم.
وحتى في حال موافقة روسيا على التسليم، فلن ينقل الأسد مباشرة لتنفيذ الحكم الغيابي. إذ تنص المادة 333 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري على إلغاء الحكم الغيابي تلقائيا عند تسليم المتهم نفسه أو القبض عليه، وإعادة محاكمته وفق الإجراءات العادية.
وبموجب ذلك، سيخضع الأسد لمحاكمة حضورية جديدة تتيح له الدفاع ومناقشة الشهود والأدلة. وإذا صدر حكم إعدام جديد، فسيخضع لمراحل مراجعة قضائية، بينها النظر أمام محكمة النقض. ويمكن للسلطات السورية، في هذا الإطار، طلب تسليمه لإعادة محاكمته مع ضمان عدم تنفيذ الإعدام، بدلا من طلب نقله لتنفيذ الحكم الغيابي القائم.
ولا تمنح إقامة الأسد في روسيا أو حصوله على اللجوء الإنساني حصانة قانونية مطلقة، لكنها تعكس قرارا سياسيا من القيادة الروسية بحمايته بعد سقوط نظامه. وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات بين موسكو والسلطات السورية الجديدة تقاربا تدريجيا ومفاوضات بشأن الوجود العسكري الروسي والمصالح الاقتصادية.
ولا تفرض المعاهدة على روسيا تسليم الأسد تلقائيا، لكنها توفر أساسا قانونيا للنظر في أي طلب سوري وتبرير أي رفض كلي أو جزئي. ويظل التسليم غير مرجح استنادا إلى الحكم الحالي الذي يتضمن الإعدام، فيما يبقى المسار القانوني متاحا إذا قدمت دمشق ضمانات بعدم تنفيذ العقوبة وتغيرت الحسابات السياسية في الكرملين.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!