أخرجت التوغلات والتحصينات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة السورية مساحات واسعة من الحقول والمراعي من دورة الإنتاج، بعدما تعذر على أصحابها الوصول إليها، فيما أدت أعمال التجريف إلى اقتلاع أشجار مثمرة وقطع الطرق التي كانت تستخدمها الآليات الزراعية وقطعان المواشي عبر الخنادق والسواتر الترابية.
وامتد الضرر، بحسب الوقائع الميدانية الواردة، من خسارة المواسم إلى تعطيل النشاط الزراعي نفسه. فمزارعون باتوا يراقبون أراضيهم من بعيد، وفقد مربو الماشية مراعيهم، وخرجت منشآت زراعية من الخدمة، فيما تحتاج الأراضي المجرفة إلى سنوات لاستعادة قدرتها على الإنتاج.
ومن بين المتضررين حسن سعد الدين من قرية جباثا الخشب، الذي كان يملك 10 دونمات تضم بين 300 و400 شجرة زيتون، إلى جانب أشجار كرز وجوز وفاكهة أخرى. وفي آخر موسم قبل تجريف الأرض، أنتجت نحو 4 أطنان من الزيتون و500 كيلوغرام من الكرز. كما كان قد أنشأ فيها إسطبلا لتربية العجول بعد 27 عاما من زراعتها واستثمارها.
وقال سعد الدين إن قوة إسرائيلية جرفت أرضه وإسطبله بالكامل في مايو 2024، وإنه لم يعد قادرا منذ ذلك الحين على الوصول إلى الموقع الذي كان يمثل أحد مصادر دخله الرئيسية. وأضاف أنه كان يستأجر مساحات تصل أحيانا إلى 1500 دونم لتربية المواشي وتسمين العجول، لكنه فقد القدرة على استخدامها أيضا بسبب التوغلات والقيود على الحركة. وذكر أنه حاول عبر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك استعادة الوصول إلى أرضه من دون نتيجة.
وتترافق التوغلات الإسرائيلية المتكررة في القنيطرة مع تحركات للجنود والآليات وإغلاق طرق وحفر خنادق وإقامة سواتر ترابية ومواقع عسكرية، ما أدى إلى قطع مسارات كانت تصل القرى بالأراضي الزراعية والمراعي.
ومنذ ديسمبر 2024، وسعت إسرائيل انتشارها العسكري في جنوب سوريا. وحددت منظمة العفو الدولية 9 قواعد أنشأتها القوات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا، ووثقت هدم منازل وتضرر أراض زراعية وحدائق قريبة منها. وتقول إسرائيل إن وجودها في المنطقة العازلة وتحركاتها في جنوب سوريا يهدفان إلى حماية حدودها ومنع ظهور تهديدات مسلحة، وإن قواتها ستبقى إلى حين التوصل إلى ترتيب أمني جديد.
غير أن استمرار الانتشار جعل الوصول إلى الأرض مخاطرة يومية، إذ ترك بعض المزارعين حقولهم خشية التوغلات أو الاعتقال وإطلاق النار، بينما لم يتمكن آخرون من إدخال الجرارات وآلات الحصاد حتى إلى الأراضي التي لم تتعرض للتجريف.
وقال الخبير الزراعي خليل العيساوي إن التجريف لم يطل الحقول وحدها، بل امتد إلى الغابات الطبيعية والغطاء النباتي في مناطق مثل جباثا الخشب وطرنجة. وأوضح أن التربة البركانية كثيرة الحجارة في أجزاء واسعة من القنيطرة تجعل استصلاح الأراضي المتضررة أكثر صعوبة وكلفة، لأن الجرافات تقلب طبقات التربة وتدفع الحجارة إلى سطحها.
وأضاف أن إعادة الأرض إلى الإنتاج تتطلب إزالة الحجارة وتسوية التربة وإصلاح شبكات المياه، ثم إعادة غرس الأشجار وانتظار سنوات قبل أن تبدأ في الإثمار. وفي بعض المناطق القريبة من خط وقف إطلاق النار، يجري الحصاد يدويا بسبب تعذر وصول الآليات الزراعية، فيما يترك مزارعون آخرون أراضيهم من دون استثمار بسبب الخروقات المتكررة.
وامتدت الأضرار إلى منشآت زراعية، بينها مشتل صيدا الذي كان يوفر، بحسب العيساوي، أكثر من 200 فرصة عمل قبل أن يخرج من الخدمة بعد تدمير خزان المياه ومنشآت تابعة له.
كما تأثر قطاع الثروة الحيوانية، إذ كانت المراعي القريبة من خط وقف إطلاق النار موردا رئيسيا لمربي الأغنام والأبقار. ومع فقدان الوصول إليها، اضطر بعضهم إلى نقل قطعانهم نحو درعا للاستفادة من بقايا حصاد القمح وخفض كلفة الأعلاف.
وتضررت أراض زراعية ومراع أيضا جراء عمليات رش جوي بمواد مبيدة للأعشاب. وأفادت مديرية زراعة القنيطرة بتضرر 3729 دونما من المراعي و1023 دونما من المحاصيل الشتوية و140 دونما من البساتين والأشجار المثمرة، إضافة إلى تضرر 255 مزارعا. وقال العيساوي إن آثار الرش وصلت إلى أشجار زيتون قريبة، فيما فقدت مساحات من المراعي غطاءها النباتي، ما ضاعف الضغط على مربي المواشي ودفع بعضهم إلى نقل قطعانه أو تقليص أعدادها.
وتتركز أعمال التجريف والتحصين في أجزاء من مسار مشروع «سوفا 53»، وهو طريق ومنظومة تحصينات عسكرية بدأت إسرائيل إنشاءها عام 2022 داخل مناطق سورية بمحاذاة خط وقف إطلاق النار. ويشمل المشروع شق طريق عسكري وإقامة سواتر وخنادق ونقاط مراقبة. وتقول إسرائيل إن المشروع يهدف إلى منع هجمات أو عمليات تسلل عبر الحدود، بينما تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن أجزاء منه تجاوزت خط فض الاشتباك وتوغلت داخل الأراضي السورية.
وقدر العيساوي امتداد أعمال التجريف والتحصين بنحو 60 كيلومترا وبعمق يصل في بعض المواقع إلى 500 متر، مقدرا المساحة المتأثرة بنحو 30 كيلومترا مربعا. وأشار المصدر إلى أن هذا تقدير ميداني غير رسمي، وليس إحصاء مستقلا لمساحة موحدة على طول المشروع.
ولا تقتصر الخسارة في القنيطرة على الأشجار المقتلعة، إذ تخرج الأرض التي لا يستطيع صاحبها دخولها فعليا من الاقتصاد، وتدفع المراعي المغلقة أصحاب القطعان إلى الرحيل أو البيع، فيما تتوقف المنشآت التي تفقد مصادر مياهها ويخسر عمالها وظائفهم. وحتى في حال عودة المزارعين إلى أراضيهم، فإن استئناف الإنتاج يتطلب مسارا طويلا لإصلاح التربة واستعادة المياه وإعادة غرس الأشجار قبل ظهور محصول جديد.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!