بلغ سعر الدولار في السوق الموازية بالسودان 6,400 جنيه عند إغلاق تعاملات الخميس، مسجلاً أدنى مستوى للجنيه السوداني، في وقت اتسعت فيه احتجاجات العاملين واضطربت أسواق الذهب. وجاء ذلك بعد أن ألغى البنك المركزي في بورتسودان قيوداً سابقة على أسعار الصرف ومنح المصارف التجارية مرونة أكبر لتحديد أسعارها وشراء حصائل الصادرات وفق العرض والطلب.
ووصل سعر الدرهم الإماراتي في السوق الموازية إلى نحو 1,710 جنيهات، مقابل نحو 1,695 جنيهاً في وقت سابق من الأسبوع. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حين كان الدولار يعادل نحو 600 جنيه، فقد الجنيه أكثر من 90% من قيمته بعدما ارتفع سعر الدولار إلى ما يزيد على 10 أضعاف خلال أكثر قليلاً من 3 أعوام.
وقال البنك المركزي إن القرار يهدف إلى تطبيق سياسة التعويم المدار، أي ترك مجال لتحرك سعر الصرف مع تدخلات محدودة، وتقليص الفجوة بين أسعار المصارف والسوق الموازية. إلا أن التعاملات الأولى أظهرت تفاوتاً واسعاً بين الأسعار؛ إذ خفض بنك الخرطوم سعر الدرهم المعلن إلى 972 جنيهاً بعد أن حدده بنحو 1,630 جنيهاً في اليوم السابق، بينما بلغ سعره في السوق الموازية 1,710 جنيهات.
وتشير التطورات إلى أن المصارف لا تملك احتياطيات كافية من العملات الأجنبية لمنافسة السوق الموازية أو تلبية احتياجات المستوردين وتحويلات المواطنين، رغم تعديل الأسعار المعلنة. كما قد يدفع القرار المتعاملين إلى رفع الأسعار والاحتفاظ بالعملات الأجنبية وسط توقعات بتراجع إضافي للجنيه.
وكان متعاملون في سوق العملات الموازية قد قالوا لسكاي نيوز عربية إن تدهور العملة يرتبط بالحرب وتراجع الإنتاج، إلى جانب غياب إدارة اقتصادية فاعلة واتساع المضاربات في النقد الأجنبي. وأضافوا أن شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية ونافذين في الأجهزة الأمنية والسلطة القائمة في بورتسودان أصبحوا من أبرز الفاعلين في سوق العملات، مستفيدين من الحصول على النقد الأجنبي وإعادة تداوله في المضاربات.
وبحسب تجار ومتعاملين، تواجه السلطة القائمة في بورتسودان غياب رؤية متماسكة لإدارة الأزمة، مع تضارب في القرارات المالية والنقدية وتفشي الفساد واتساع دور الوسطاء والسماسرة في توجيه السوق.
احتجاجات الرواتب وإضراب الذهب
امتد أثر انخفاض الجنيه إلى أجور العاملين، إذ نفذ موظفو شركة مطارات السودان وقفة أمام مكتب المدير العام في الخرطوم احتجاجاً على ضعف الرواتب وعدم الاستجابة لمطالبهم. ونقلت تقارير صحفية عن رئيس نقابة العاملين بالشركة أن الحد الأدنى للراتب يبلغ نحو 300 ألف جنيه، وهو مبلغ لا يكفي الاحتياجات اليومية أو تكاليف العلاج والتعليم.
وباحتساب الراتب على أساس سعر الدولار البالغ 6,400 جنيه، فإنه يعادل أقل من 47 دولاراً شهرياً. ووقعت الاحتجاجات في قطاع المطارات، الذي تسعى سلطة بورتسودان إلى إظهار عودة مؤسساته إلى العمل من خلاله.
وفي مدينة كسلا، بدأ تجار الذهب إضراباً مفتوحاً يوم الاثنين احتجاجاً على انتشار باعة الذهب المتجولين واتساع السوق غير المنظمة، مع شكاوى من التلاعب بالأسعار والأوزان وغياب الرقابة. وقال رئيس اتحاد الصاغة في كسلا، عبود أحمد عيسى، إن التجار سيواصلون الإضراب إلى أن تتدخل السلطات وتضع حلاً دائماً لنشاط الباعة المتجولين.
ومع تراجع قيمة العملة، يزداد الإقبال على الذهب بوصفه مخزناً للقيمة، وتتسع التجارة غير الرسمية والشراء خارج القنوات المرخصة، بما يحد من قدرة الدولة على ضبط الإنتاج والصادرات وتحصيل العائدات. ويعاني السودان، رغم كونه منتجاً للذهب، من نقص في العملات الأجنبية بسبب التهريب وتعدد شبكات النفوذ وغياب الشفافية وتنافس أطراف الحرب على مناطق الإنتاج ومسارات التجارة.
وأفادت تقديرات أوردتها رويترز بأن كميات الذهب المهربة تعادل أضعاف الكميات المسجلة رسمياً، ما يحرم الاقتصاد من مورد يمكن أن يدعم الجنيه ويمول الواردات.
تراجع الإنتاج وتوسع السوق الموازية
أدت الحرب إلى توقف مصانع وتعطل مساحات زراعية واسعة وتضرر شبكات النقل والتجارة، فضلاً عن تراجع عائدات النفط ورسوم عبور نفط جنوب السودان. وفي المقابل، ارتفع الإنفاق العسكري والطلب على الوقود والسلاح والسلع المستوردة، من دون موارد تغطي هذه الالتزامات.
كما تراجعت تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، وتوقف معظم القروض والمنح وتجمّد الدعم الدولي. ووفق تقديرات اقتصادية سابقة، انخفضت التحويلات الرسمية بأكثر من 70% بسبب تضرر الجهاز المصرفي وفقدان الثقة فيه.
ومولت السلطة العجز والنفقات المتزايدة عبر التوسع النقدي وطباعة العملة من دون غطاء كافٍ من الإنتاج أو الذهب، ما أدى إلى زيادة الكتلة النقدية وانخفاض القوة الشرائية للجنيه. وانتقل الثقل المالي إلى السوق الموازية التي باتت تحدد أسعار العملات والسلع بعيداً عن قرارات البنك المركزي.
وفي أبريل الماضي، فرضت سلطة بورتسودان حظراً واسعاً على واردات شملت أغذية وسلعاً استهلاكية ومدخلات إنتاج بهدف خفض الطلب على الدولار. لكن رجال أعمال حذروا من أن الحظر يخلق احتكارات ويرفع الأسعار ويعطل النشاط الإنتاجي.
وكان الدولار يعادل حينها نحو 4,100 جنيه قبل أن يرتفع خلال 4 أشهر إلى 6,400 جنيه، بزيادة تقارب 56%. وتزامن ذلك مع تعطيل الحرب لمعظم الصناعة وإضعاف الزراعة واتساع تهريب الذهب، بما عمّق العجز التجاري.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!