قال سيد غنيم، الأستاذ الزائر في حلف شمال الأطلسي والأكاديمية الملكية العسكرية، إن روسيا تستخدم هجمات مكثفة بالمسيّرات لإبقاء الدفاعات الجوية الأوكرانية في حال استنفار واستنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، بينما يرجح أن تركز موسكو قواتها البرية على استكمال السيطرة على مدن ومناطق في إقليم دونباس بدلاً من محاولة التقدم نحو كييف.
وأوضح غنيم أن هدف الهجمات الجوية الروسية لم يعد تدمير العاصمة الأوكرانية دفعة واحدة، بل تعطيلها وجعل الإنذارات الجوية جزءاً من الحياة اليومية. وأضاف أن روسيا تستفيد من انخفاض كلفة المسيّرات مقارنة بوسائل اعتراضها، إذ إن زيادة عدد الطائرات المهاجمة تقلص قدرة الدفاعات الأوكرانية على إسقاطها جميعاً.
وأشار إلى أن تقييم فاعلية المسيّرات لا يرتبط بعددها فقط، موضحاً أن المسيّرة قد تؤدي دوراً قريباً من دور الصاروخ، مع اختلاف نوع الرأس الحربية وحجمها. وقال إن كثافة الهجمات تبقى ذات قيمة عسكرية حتى عندما لا تصل جميع المسيّرات إلى أهدافها، لأنها تدفع الطرف المدافع إلى استخدام صواريخ مرتفعة الكلفة وإبقاء منظوماته في حالة تأهب مستمر.
وأضاف أن إنتاج روسيا 10 ملايين مسيّرة سنوياً يعني توافر أكثر من 800 ألف مسيّرة شهرياً، بما يتيح تنفيذ موجات هجومية يومية كبيرة. ووفق هذا التقدير، فإن المعيار لا يقتصر على عدد المسيّرات المطلقة، بل يشمل عدد الأهداف التي تستطيع الدفاعات اعتراضها مقارنة بحجم الهجوم وكلفة الصواريخ المستخدمة في التصدي له.
تركيز بري في دونباس
وفي ما يتعلق بما يتردد عن تعبئة روسية قد تصل إلى 300 ألف مقاتل، قال غنيم إن الرقم ليس جديداً، مشيراً إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث عنه في عام 2024 قبل أن يتكرر تداوله في عام 2026.
ورجح غنيم أن تكون الوظيفة الميدانية لهذه القوات مرتبطة بدعم العمليات في دونباس، لا بمهاجمة دول البلطيق أو أوروبا. وأوضح أن العمليات البرية الواسعة تقوم على حشد القوات في قطاع محدد لتنفيذ «الضربة الرئيسية» أو «المجهود الرئيسي»، بدلاً من توزيعها بالكثافة نفسها على كل الجبهات.
وذكر كراماتورسك وسلوفيانسك وكوستانتينيفكا وليمان ضمن القطاعات المتصلة بهذا الجهد، معتبراً أن وصول القوات الروسية إلى الخطوط ذات الأهمية التعبوية في هذه المنطقة قد يشير إلى اقتراب انتهاء المعارك الرئيسية في دونباس. وأضاف أن روسيا تعتمد هجمات تكتيكية على مساحات محدودة بعدما لم يتحقق هدف الوصول إلى العمق الاستراتيجي باتجاه كييف، وتركز بدلاً من ذلك على السيطرة التدريجية على الأرض وإضعاف قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال.
دعم أوروبي ومخاطر على دول الناتو
وقال غنيم إن أوروبا لم تتخل عن أوكرانيا، بل تعمل على تحويلها إلى نطاق دفاع متقدم و«قلعة صناعية» قادرة على إنتاج الأسلحة واستيعاب الدعم الأوروبي. واعتبر أن هذا المسار غيّر أولويات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتصبح السيطرة على مزيد من الأراضي وإجهاد القاعدة الصناعية والعسكرية التي تبنيها أوروبا داخل أوكرانيا هدفاً رئيسياً.
وأشار إلى تنامي القدرة الإنتاجية لكييف، إلى جانب الدعم الأوروبي واستمرار رغبتها في القتال ومحاولة استعادة أراضيها. كما تحدث عن وجود متطوعين أوروبيين، قائلاً إنه لا يمكن وصفهم بالضرورة بالمرتزقة، وإن مشاركتهم قد تخضع للقوانين الأوروبية.
وأضاف أن خطر المسيّرات يمتد خارج أوكرانيا، ولا سيما بعد وصول مسيّرات روسية إلى رومانيا خلال الأسابيع الماضية، مع احتمال دخولها أجواء بولندا أو دول البلطيق. وقال إن هذه الوقائع تثير تساؤلات بشأن المادتين الرابعة والخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي؛ إذ تتيح المادة الرابعة للدولة العضو طلب التشاور عندما ترى أن أمنها مهدداً، فيما ترتبط المادة الخامسة بمبدأ الدفاع الجماعي وقد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع.
وميز غنيم بين الهجمات المباشرة وبين استخدام المسيّرات وأعمال الاستطلاع والهجمات السيبرانية للاستفزاز واختبار الدفاعات الجوية ورصد مواقع الاختراق والثغرات، من دون الانتقال فوراً إلى مواجهة شاملة. ونفى وجود قوات رومانية داخل أوكرانيا، مؤكداً أن حلف شمال الأطلسي لن يقبل تحركاً من هذا النوع خارج مهام حفظ السلام ومن دون قرار من الحلف.
وخلص إلى أن موسكو تجمع بين استخدام المسيّرات لاستنزاف الدفاعات الأوكرانية واختبار رد فعل حلف شمال الأطلسي، وحشد قوات برية يمكن تركيزها لتحقيق اختراقات في دونباس، بالتوازي مع استهداف القدرة الصناعية والعسكرية التي تعمل أوروبا على بنائها داخل أوكرانيا.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!