يرى الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة دخلت مرحلة «لا حرب ولا سلام»، مع غياب مسار واضح للتسوية وتراجع قدرة طهران على اتخاذ قرار حاسم بالتفاوض أو تقديم تنازلات، في وقت يواجه فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطًا تمنعه، بحسب تقديره، من مغادرة الملف الإيراني من دون نتائج.
وقال الزغول في حديث لبرنامج «التاسعة» على سكاي نيوز عربية إن إيران باتت في «زاوية صعبة»، لكن حالة الإعياء لدى الطرفين لا تكفي لإنتاج حل بسبب ما وصفه بضعف القيادة الإيرانية وانعدام الثقة، فضلًا عن حضور الاعتبارات الأيديولوجية والجيوسياسية في صلب الصراع.
وربط الباحث موقف ترامب بالاستحقاق الانتخابي الأميركي وحرصه على إرثه السياسي، إلى جانب موقع إيران في المنافسة الأوسع مع الصين. واعتبر أن التراجع في هذا الملف لا يعني، وفق قراءته، خسارة سياسية داخلية فحسب، بل فقدان نقاط في مواجهة بكين.
وأضاف أن هذه الحسابات أوجدت وضعًا لا يستطيع فيه أي طرف حسم المواجهة أو تحمّل استمرارها بالمستوى نفسه، معتبرًا أن الخروج من المأزق يحتاج إلى حلول إقليمية أو إيرانية أو أميركية جديدة تتجاوز الأدوات المستخدمة حاليًا.
ضربة لارك والألغام البحرية
وأوضح الزغول أن الضربة الأميركية الأخيرة استهدفت جزيرة لارك الإيرانية وطالت منصة إطلاق من طراز «فجر-3» تابعة للحرس الثوري الإيراني. وقال إن المنصة تستخدم أسلوبًا يشبه «المقلاع» لإلقاء الألغام البحرية من مسافة بعيدة، عبر صاروخ يحمل لغمًا يُلقى في البحر، في ظل صعوبة اقتراب القوات البحرية الإيرانية من مناطق زرع الألغام.
واعتبر أن لجوء طهران إلى هذا الأسلوب يعكس تضاؤل خياراتها في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن إلقاء الألغام عن بُعد يصعّب تحديد مواقعها واستعادتها لاحقًا، وقد يجعلها خطرًا على السفن الإيرانية نفسها. وقال إن استهداف المنصة أثناء إعدادها للإطلاق يكشف، في رأيه، مستوى المراقبة الأميركية للتحركات الإيرانية، مضيفًا أن تصريحات إيرانية أشارت إلى مقتل عنصرين وإصابة آخرين في الضربة.
وفي ما يتعلق بالرد الإيراني بصواريخ أُطلقت باتجاه الأردن، قال الزغول إن طهران تدرك قدرة الدفاعات الأميركية على اعتراض معظم صواريخها، لكنها تسعى إلى استنزاف مخزون واشنطن من الصواريخ الاعتراضية. وأشار إلى تداول معلومات داخل الولايات المتحدة عن استخدام 80 صاروخًا دفاعيًا في عمليات الاعتراض، معتبرًا أن إيران تحاول رفع كلفة المواجهة واستثمار الجدل الأميركي حول استمرار العمليات من دون نتائج حاسمة.
وأضاف أن طهران تراهن أيضًا على تحويل كلفة التصعيد إلى ورقة انتخابية يستخدمها خصوم ترامب، بينما يحاول الديمقراطيون تسليط الضوء على الأعباء المالية والعسكرية للسياسة الأميركية تجاه إيران.
هرمز والسيادة
ووصف الزغول مضيق هرمز بأنه «فرصة ضائعة» لإيران، قائلًا إن طهران ربما تمسكت بهذه الورقة أكثر مما ينبغي ولم تساوم عليها في الوقت المناسب. واستشهد بتحذيرات منسوبة إلى الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي من أن التمسك المفرط بالمواقف والتصلب لا يقودان بالضرورة إلى النصر، وقد ينتهيان بالخسارة.
وبحسب الزغول، استُخدم مضيق هرمز بداية كورقة ضغط لإنهاء المواجهة، قبل أن يتحول في الخطاب الإيراني إلى قضية سيادة وكرامة وطنية وحق مرتبط بالمياه الإقليمية. وأضاف أن تحويل الملف إلى مسألة سيادية يضيّق هامش التفاوض ويجعل تقديم التنازلات أكثر صعوبة.
فوضى ما بعد النظام والعقوبات
وقال الزغول إنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة تريد إسقاط النظام الإيراني من دون بديل قادر على إدارة إيران وضبطها. ووصف إيران بأنها دولة شديدة التعقيد بسبب تعدد القوميات والتداخلات السكانية والصراعات بين مكوناتها، معتبرًا أن انهيارًا مفاجئًا قد يغرق إيران والمنطقة في فوضى واسعة.
وأضاف أن قوى المعارضة الحالية، ومنها منظمة مجاهدي خلق، لا تستطيع، وفق تقديره، تولي مسؤولية الأمن وإدارة البلاد، ولذلك وصف إيران بأنها «معضلة تحتاج إلى حل» وليست مجرد عدو ينبغي هزيمته.
ورأى الزغول أن العقوبات الأميركية الجديدة تمثل تحولًا لأنها تستهدف شبكات «الدولة العميقة»، أي الشبكات وآليات الالتفاف على القيود الاقتصادية، بدل التركيز على صادرات النفط وحدها. وقال إن الضغوط تشمل «أسطول الظل» والقنوات المالية التي تعاد عبرها عائدات النفط إلى إيران، فضلًا عن الشركات والدول المتعاملة معها.
واعتبر أن هذه العقوبات قد تكون أشد تأثيرًا من الحزم السابقة لأنها تستهدف الجهات التي استفادت من انسحاب الشركات الأجنبية، وفي مقدمتها مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وبيت المرشد، بما يضيف ضغطًا جديدًا على طهران مع تراجع خياراتها السياسية والعسكرية.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!