توفي الفنان الأميركي بيتر ماكس، أحد أبرز وجوه فن البوب السيكادلي المعروف بألوانه الزاهية وتصاميمه المرتبطة بتفاؤل حركة «قوة الزهور» في ستينيات القرن الماضي، عن 88 عامًا، وفق بيان مكتوب أصدره ابنه آدم ماكس الأربعاء. وقال البيان إن ماكس توفي يوم الاثنين، من دون ذكر سبب الوفاة، لكنه كان يعاني الخرف في مرحلة متقدمة.
بدأ ماكس مسيرته في التصميم الغرافيكي خلال الستينيات، وجسدت أعماله الدوامية والملونة، التي يسهل تمييزها، فن حركة «قوة الزهور». وظلت أعماله رائجة حتى القرن الحادي والعشرين بفضل غزارة إنتاجه وأسلوبه المرح المتاح للجمهور.
وعُيّن ماكس فنانًا رسميًا للألعاب الأولمبية، وسوبر بول، وسباق إنديانابوليس 500، وكأس العالم، والبطولة العالمية للبيسبول، إلى جانب مناسبات أخرى. وظهرت أعماله على طائرة بوينغ 777 وسفينة تابعة لشركة نورويجيان كروز لاين، كما رسم شخصيات تراوحت بين رؤساء أميركيين وتايلور سويفت.
وفي ذروة نجاحه أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، بدت لوحاته الجدارية المليئة بالزهور والفضاء والشخصيات الكرتونية، بألوان مثل الفيروزي والبرتقالي والأخضر النيون، منتشرة في كل مكان. زينت ملصقاته جدران غرف الطلاب، فيما حملت ساعات وأغطية أسرّة منزلية تصاميمه. كما صمم أغلفة دليل «يلو بيجز» في مانهاتن، وهو دليل هاتف للأعمال كان يوزع على ملايين الأشخاص. وظهر هو نفسه على غلاف مجلة «لايف» عام 1969، بشاربه الكث الكثيف وابتسامته العريضة.
وقال آدم ماكس في بيان إعلان الوفاة: «سنتذكر إبداعه الاستثنائي ودفأه وفضوله والطريقة التي كان يرى بها الجمال والإمكانات في كل مكان». وأضاف: «أصبح فنه جزءًا من الثقافة الأميركية، لكن الرجل وراء ذلك الفن، الأب الذي عرفناه وأحببناه، هو الشخص الذي سنفتقده أكثر من غيره».
وُلد ماكس باسم بيتر ماكس فينكلشتاين عام 1937 لعائلة يهودية في برلين. فرت عائلته من ألمانيا النازية إلى شنغهاي حين كان رضيعًا، ثم أقامت لاحقًا في التبت وإسرائيل وباريس، قبل أن تستقر في مدينة نيويورك عندما كان في السادسة عشرة. وقال في مقابلة إنه كان آنذاك «معجبًا كبيرًا بالثقافة الأميركية»، من القصص المصورة والأفلام إلى موسيقى الجاز.
درس ماكس في رابطة طلاب الفن، ومدرسة الفنون البصرية، ومعهد برات في نيويورك. وفي عام 1961، افتتح مع أصدقاء له استوديو للتصميم الغرافيكي. ولاقى أسلوبه الجريء والمميز نجاحًا سريعًا لدى وكالات الإعلان والمنشورات والشركات وفي الثقافة الشعبية، ما قاده إلى نشاط تجاري واسع.
وقال عن انتشار منتجاته: «أعتقد أن أعمالي استُغلت تقريبًا. كانت على الأكواب، وأغطية الأسرّة، والفساتين، والحرير والأوشحة وربطات العنق، عبر 70 خط إنتاج». إلا أن ما كان يزعجه في ذلك النجاح، بحسب قوله، هو أنه «لم يعد يرسم». لذلك أوقف نشاطه التجاري لفترة في أوائل السبعينيات كي يعاود التواصل مع فنه.
ومن أكبر مشروعاته بعد عودته إلى الحياة العامة سلسلة بورتريهات لتمثال الحرية، رسمها في البيت الأبيض بدعوة من السيدة الأولى نانسي ريغان عام 1981.
وشهدت حياته الشخصية والمهنية عدة قضايا مثيرة للجدل. ففي 1997، أقر بالذنب في قضية احتيال ضريبي بعد أن اتهمته دائرة الإيرادات الداخلية بإخفاء أكثر من مليون دولار من عائدات أعماله الفنية. وصدر بحقه في البداية حكم بالسجن لمدة شهرين، لكنه سُمح له في النهاية بقضاء المدة ضمن برنامج إفراج للعمل، مع سداد الضرائب المتأخرة وغرامة قدرها 30,000 دولار، وإنجاز 800 ساعة خدمة مجتمعية لتدريس الفن في مدارس هارلم.
وفي 2015، أصبحت حياته العائلية موضوعًا لصحف الإثارة في نزاع بين زوجته الثانية ماري ماكس وآدم، ابنه من زواج سابق. واتهم الابن ووصيّ قانوني ماري ماكس باستنزاف أمواله وممارسة ضغوط شديدة عليه. وفي المقابل، قالت إنها احتُجزت بعيدًا عنه خلافًا لإرادته، وإن لوحات تخصها سُرقت. ووصفت روايات عن جلسات أمام المحكمة ماكس بأنه كان واهنًا. وفي 2019، توفيت ماري ماكس منتحرة بعد أسبوعين من نشر صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا عن المعارك القانونية المتعلقة بأعماله.
وتناقضت تلك الادعاءات القاتمة مع الأجواء المشرقة والسعيدة في أعماله. وقال ماكس: «الألوان قوية، وأحيانًا صاخبة وأحيانًا خام وأحيانًا متناغمة، لكنها دائمًا قوية، والصور دائمًا إلى جانب الطبيعة المسالمة». وأضاف: «لا أناقش الأشياء السلبية في لوحاتي، ولا أمعن التفكير فيها ولا أمعن فيها على لوحاتي». ولخص رؤيته في مقابلة أخرى بقوله: «أرى كل شيء بعيون قوس قزح».
ورغم أن روايات عن مسيرته أشارت أحيانًا إلى أنه لم يحظ بتقدير جدي من المؤسسة الفنية، فقد عُرضت أعماله في عشرات المعارض المتحفية حول العالم، ويملك متحف الفن الحديث في نيويورك 7 من أعماله.
ويُنسب فن «يلو سبمارين» لفرقة البيتلز إلى ماكس على نحو خاطئ أحيانًا، بينما يُنسب تصميم غلاف الألبوم وفيلم «يلو سبمارين» رسميًا إلى هاينتس إيدلمان الراحل. وقال ماكس في مقابلة عام 2012 إنه أعد التصميم الأصلي للعمل قبل تسليمه إلى إيدلمان، لكن موقع معرض بارك ويست في نيويورك، وهو تاجر قديم لأعمال ماكس، وصف مشاركته بأنها «عمل استشاري مبكر». وكان ماكس صديقًا للبيتلز ولعدد من المشاهير، كما اهتم بعمق بالروحانيات الشرقية؛ إذ أحضر «سوامي» ساتشيداناندا ساراسواتي إلى الولايات المتحدة وساعده على نشر اليوغا فيها.
انتهى زواجه الأول من إليزابيث نانس بالطلاق. وإلى جانب ابنه آدم، خلّف ابنة تدعى ليبرا أسترو.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!