تبحث خديجة عبدالله وزملاؤها في منظمة «تمكين الشباب» بمومباسا في كينيا عن مصادر جديدة لتمويل مشروعات الشباب، بعدما أدى توقف التمويل الأميركي إلى تقليص أنشطة مئات المنظمات في إفريقيا. ويأتي ذلك بعد أكثر من 20 شهرا على بدء الولايات المتحدة تقليص نحو 76 مليار دولار من مساعداتها الخارجية، ما أثر في برامج الصحة والتعليم والأمن الغذائي بدول إفريقية عديدة.
وأدى إلغاء أكثر من 90% من عقود المساعدات الخارجية الأميركية إلى تعطيل برامج ومشروعات وتجميد عمليات توظيف وإرباك سلاسل شراء وتوريد المساعدات، خصوصا في الدول التي تعاني من الصراعات والفقر وضعف الموارد المحلية. وتحذر حكومات ومنظمات دولية من التداعيات الإنسانية والاقتصادية للخفض، فيما يرى بعض الشباب الإفريقي فيه فرصة لإعادة النظر في الاعتماد الطويل على التمويل الخارجي.
وتكتسب هذه التحولات أهمية في قارة تضم عددا كبيرا من الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، ويعيش ما يقرب من نصف فقراء العالم المدقعين في بلدان إفريقية تعاني من الصراعات أو هشاشة المؤسسات.
الصحة والتعليم بين القطاعات المتضررة
يعد قطاع الصحة من أكثر القطاعات تأثرا، ولا سيما البرامج المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية والملاريا والسل وصحة الأم والطفل والتغذية. وتشير تقديرات إلى تقلص حاد في التمويل الخارجي المخصص للصحة في إفريقيا، ما دفع حكومات كانت تعتمد على المساعدات الدولية إلى البحث عن مصادر بديلة لتغطية النفقات الأساسية.
وفي نيجيريا، استوعبت السلطات نحو 28 ألف عامل صحي كانوا يعملون في برامج ممولة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بكلفة قدرت بنحو 200 مليون دولار. وفي جنوب إفريقيا، هدد فقدان تمويل كان يوفر أكثر من 400 مليون دولار سنويا استمرارية عدد من برامج علاج فيروس نقص المناعة البشرية، وسط مخاوف بشأن مستقبل علاج نحو 1.4 مليون شخص متعايش مع الفيروس.
كما خسرت غانا نحو 78 مليون دولار سنويا من التمويل الأميركي، ما انعكس على برامج صحة الأم ومكافحة الملاريا والتغذية وفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز. وتشير تقارير إلى أن تقليص التمويل خفض فرص الحصول على العلاج في عدد من الدول، وزاد مخاطر سوء التغذية الحاد بين الأطفال، إلى جانب سحب أو تقليص الأدوية والمعدات والبنية التحتية المرتبطة بعلاج الملاريا والسل والالتهاب الرئوي.
وفي مالاوي، كانت الولايات المتحدة مصدرا مهما لتمويل قطاعات حكومية وتنموية، فيما شكل التمويل الخارجي خلال السنوات الأخيرة نسبة كبيرة من الاستثمارات الرأسمالية في التعليم. وتظهر هذه المعطيات صعوبة سد فجوة التمويل في دول تعاني محدودية الإيرادات المحلية وارتفاع الديون.
ضغوط تتجاوز التمويل الأميركي
لا يرتبط التراجع بالولايات المتحدة وحدها؛ ففي عام 2025 انخفض إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية التي تلقتها إفريقيا من المانحين الأوروبيين والآسيويين، بالتزامن مع ضغوط على ميزانيات الدول المانحة، في تراجع وصفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه تاريخي.
وتزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتأثير الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في الشرق الأوسط على أسعار الغذاء والوقود والأسمدة. وتواجه الاقتصادات الإفريقية تراجع الموارد الخارجية من جهة، وارتفاع كلفة تمويل الخدمات الأساسية والاستيراد من جهة أخرى.
كما أدى انكماش نشاط المنظمات والمشروعات الدولية إلى فقدان آلاف الوظائف المرتبطة بقطاع التنمية، وتراجع تدفقات العملات الأجنبية التي كانت تدخل الاقتصادات المحلية عبر رواتب الموظفين والإنفاق على المشروعات والخدمات. وتزداد المخاطر في الاقتصادات الزراعية مع ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والنقل، بما يهدد الإنتاج الغذائي وقدرة الأسر الفقيرة على شراء الغذاء.
وبحسب بيانات منصة «أسليد» لرصد النزاعات المسلحة، زادت أحداث النزاعات المسلحة بنحو 5% منذ يناير 2025 في الدول الإفريقية الأكثر اعتمادا على المساعدات الأميركية مقارنة بالدول الأقل اعتمادا عليها. كما سجلت الفترة من بداية 2025 حتى منتصف 2026 زيادة مماثلة في الوفيات المرتبطة بالنزاعات في الدول الأكثر تأثرا بخفض المساعدات. غير أن هذه الأرقام لا تثبت وحدها أن الخفض هو السبب المباشر للعنف، في ظل عوامل أخرى منها ضعف مؤسسات الدولة والصراعات السياسية والعرقية وانتشار الجماعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والغذائية.
دعوات إلى تمويل ذاتي
أظهر مسح أجرته «شبكة استطلاعات شباب إفريقيا» وشمل نحو 5 آلاف شخص في 16 دولة إفريقية أن 46% من المشاركين يعتقدون أن إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية سيؤثر سلبا على بلدانهم. لكن نحو 25% اعتبروا الخطوة فرصة لإعادة بناء نماذج تنموية أكثر استقلالا، إذ رأوا أن الاعتماد على التمويل الخارجي لم يضمن دائما توجيه الموارد بأكبر قدر من الفاعلية.
وقال توم كلين، مدير الشبكة، إن أبرز ما أظهره المسح هو رغبة غالبية الشباب في أن تضطلع حكومات دول القارة بتمويل المشروعات الشبابية وتقليص الاعتماد على الدعم الخارجي. وأضاف أن النقاش الإفريقي ينتقل من البحث عن تعويض التمويل الأميركي إلى البحث عن نموذج تنموي لا يعتمد بصورة مفرطة على التمويل الخارجي.
وبدأت منظمات إفريقية البحث عن بدائل، بينها تأجير المرافق والمركبات، وإطلاق مشروعات زراعية وتجارية تخصص أرباحها للنفقات التشغيلية، وإعادة تصميم البرامج لتكون أقل كلفة وأكثر اعتمادا على المجتمعات المحلية، مع التركيز على مشروعات تجمع بين التعليم والتدريب وتوليد الدخل.
وفي مكتب صغير بضواحي مومباسا في كينيا، تعمل خديجة عبدالله وزملاؤها في منظمة «تمكين الشباب» على إيجاد مصادر جديدة لتمويل مشروعات الشباب. وقالت إن وقف مساعدات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أغلق مبادرات ومنظمات في أنحاء مختلفة من إفريقيا، لكنه دفع بعض المنظمات إلى التفكير في برامج يمكن أن تستمر دون الاعتماد على المانحين، مضيفة أن المنظمة سعت إلى ابتكار برامج تتأقلم مع الصعوبات الناتجة عن وقف التمويل.
وقالت ديجان علي، المديرة التنفيذية لمنظمة «أديسو» الإفريقية غير الربحية، إن التخفيضات نُفذت بطريقة «غير مسؤولة وغير إنسانية على الإطلاق»، لكنها لم تستغرب أن يرى بعض الشباب جانبا إيجابيا للتحول. وأضافت أن كثيرا من الناس يرون المساعدات مهينة، ويعتقدون أن بإمكانهم تحقيق أهدافهم بأنفسهم وأن القادة مسؤولون عن تلبية احتياجات المجتمعات.
ويرى ستيف شارا، مدير الشؤون الأكاديمية في كلية مالاوي للإدارة الحكومية، أن الدول الإفريقية تمر بمرحلة انتقالية يعاد فيها تشكيل شروط تمويل التنمية. وقال إن التمويل الذاتي والاستثمارات القائمة على الديون والمساعدات المرتبطة بالمقايضة قد توفر مصادر تمويل جديدة، لكنها قد تخلق أيضا أشكالا جديدة من عدم التوازن إن لم تخضع لآليات شفافة ومستدامة.
وبحسب شارا ومختصين آخرين، يفرض خفض المساعدات الأميركية على الحكومات والمنظمات المحلية سد فجوة مالية كبيرة في قطاعات حيوية، لكنه يدفع أيضا إلى البحث عن نموذج تنموي أقل اعتمادا على المانحين. ويبقى التحدي في بناء مصادر محلية مستدامة من دون أن يتحمل الفقراء والأطفال والمرضى والنازحون العبء الأكبر خلال المرحلة الانتقالية.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!