تجددت المواجهات العسكرية على الحدود بين أفغانستان وباكستان، مع تبادل الاتهامات والغارات وإغلاق المعابر، بعد فترة هدوء نسبي لم تصمد خلالها جهود الوساطة. وأعلنت وزارة الدفاع الأفغانية الأحد أن قواتها قتلت 28 مسلحا وأصابت 32 آخرين في إقليم نورستان شرقي أفغانستان، بعد عبور مجموعة من باكستان قالت إنها تضم عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية.
وجاء الإعلان عقب غارات جوية باكستانية على أفغانستان في 21 سبتمبر/أيلول الجاري. وقالت إسلام آباد إن الغارات قتلت 28 مسلحا، فيما قال مسؤولون أفغان إن الضحايا مدنيون، وأكدت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان مقتل 3 مدنيين.
وترتبط الأزمة أيضا بالخلاف التاريخي بشأن خط ديورند، الذي رُسم عام 1893 باتفاق بين بريطانيا وأمير أفغانستان عبد الرحمن خان لترسيم الحدود بين أفغانستان والهند البريطانية. ويمتد الخط 2600 كيلومتر عبر مناطق جبلية، ويقسم مجتمعات وعشائر قبلية متداخلة، ولا سيما البشتون.
وبعد تأسيس باكستان عام 1947، اعتبرت إسلام آباد الخط حدودا دولية معترفا بها، بينما رفضت الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف الكامل به وعدّته مفروضا ولا ينسجم مع الواقع التاريخي للمنطقة، وفق معهد العلوم السياسية.
وشهدت العلاقة بين الطرفين شراكة سابقة، بينها دعم أجهزة الاستخبارات الباكستانية لتأسيس حركة طالبان في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتوفير ملاذات ومساعدات لها خلال عقدين من التدخل الأمريكي بعد عام 2001، بحسب تقارير أمريكية وسرية لحلف شمال الأطلسي. ورحبت إسلام آباد بعودة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، وشبه رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان ذلك بـ«تحرر الأفغان من قيود العبودية».
لكن التوتر تصاعد بعد إنهاء حركة طالبان باكستان وقف إطلاق النار مع إسلام آباد أواخر 2022. وكانت الحركة قد تأسست أواخر 2007 من تجميع نحو 40 جماعة بقيادة بيت الله محسود. ومع حلول 2025، بلغت هجمات الحركة والعمليات العسكرية والقصف الجوي الباكستاني ذروتها، مخلفة مئات القتلى، وفق تقرير لبعثة الأمم المتحدة في أفغانستان.
وتشير تقارير أممية إلى وجود ما بين 8 آلاف و10 آلاف مقاتل من طالبان باكستان داخل أفغانستان، في ولايات خوست وبكتيكا وننجرهار. وتتهم إسلام آباد السلطات في كابل بإيوائهم وتسهيل استخدام أراضي أفغانستان، فيما تقول طالبان إنها تمنع الأنشطة المعادية وتتهم باكستان بدعم جماعات لزعزعة استقرارها. كما يتداخل الملف مع اعتبارات أيديولوجية وقبلية، ونشاط جماعات أخرى بينها جيش تحرير بلوشستان وتنظيم داعش-خراسان.
ودفع الإغلاق المتكرر لمعبرَي تورخم وسبين بولدك-تشمن السلطات الأفغانية التي تقودها طالبان إلى تقليل الاعتماد الاقتصادي على باكستان. وانخفض التبادل التجاري بين البلدين من 2.46 مليار دولار عام 2024 إلى 1.77 مليار دولار عام 2025، فيما تراجعت صادرات باكستان 56% في النصف الأول من السنة المالية 2025-2026، وفق بنك الدولة الباكستاني.
وعززت كابل تجارتها مع إيران عبر ميناء تشابهار، ووطدت علاقاتها مع الصين وروسيا، التي كانت أول دولة تعترف رسميا بحكومتها، واستأنفت علاقاتها مع الهند، وهي خطوات أثارت قلق إسلام آباد. ورغم وساطات إقليمية شملت قطر وتركيا والسعودية والصين، لم تنجح جولات التفاوض في إنهاء التوتر، ما يبقي العلاقات عرضة لتصعيد عسكري متكرر يعقبه الرجوع إلى المفاوضات.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!