تقدّر منظمات أممية أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد في اليمن عام 2026. ويرصد تحقيق ميداني حالات في مخيمات نزوح ومرافق علاجية بمحافظات حجة والضالع ومأرب، في ظل احتياجات إنسانية تتجاوز التمويل المتاح.
تبدأ إحدى القصص بتهاني، التي كانت في الثامنة حين بدأت متابعة حالتها في التحقيق. ويقول والدها إنه أمضى سنوات يطلب مساعدة جهات رسمية ومنظمات لعلاجها. وفي مخيم الخديش بمديرية عبس في محافظة حجة، تعيش أسرة جياد محمد جلال، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، بعد نزوحها من مديرية حرض بسبب الحرب. ويتلقى الطفل العلاج بصورة متكررة لإصابته بسوء تغذية حاد وتراجع وزنه إلى مستويات خطرة.
وبحسب معلومات ميدانية حصلت عليها الجزيرة نت، وُثقت أكثر من 200 حالة سوء تغذية في منطقة عبس خلال السنوات الثلاث الماضية. وفي محافظة الضالع، استقبل مستشفى النصر 269 طفلاً يعانون سوء التغذية الحاد من بداية عام 2026 حتى أغسطس من العام نفسه، وفق بيانات حصل عليها الموقع. ولا يجوز جمع الرقمين في إجمالي واحد، لاختلاف فترات التسجيل والمرافق الصحية وطرق الرصد.
وفي عيادة حكومية للتغذية بمخيم السمياء في مأرب، قالت الطبيبة معجبة المنصوري إن العيادة تعاملت خلال السنة الأخيرة مع 33 طفلاً مصابين بسوء التغذية الحاد الشديد، و85 طفلاً مصابين بسوء التغذية الحاد المتوسط، إضافة إلى 84 حالة لأمهات. وبذلك بلغ عدد الأطفال في الفئتين 118 طفلاً، وإجمالي الحالات التي ذكرتها 202 حالة. وقالت إن العيادة لم تسجل وفاة بين الحالات التي عالجتها حتى وقت إفادتها.
وعزت المنصوري الحالات إلى عوامل تشمل نقص الغذاء أو عدم توازنه، والأمراض، والظروف الاجتماعية، وارتفاع احتياجات الطفل الغذائية، ومشكلات الرضاعة والتغذية. وأوضحت أن الحالات الحادة الشديدة تتطلب تقييماً طبياً، وقد تحتاج إلى علاج داخل المستشفى إذا صاحبتها مضاعفات، بينما يمكن علاج الحالات المستقرة التي لا تعاني مضاعفات ومتابعتها خارجياً. وتُتابع الحالات المتوسطة في العيادة، مع توفير أغذية علاجية أو مكملات ومراقبة الوزن والنمو. وأضافت أن برنامج الأغذية العالمي يواصل توفير برنامج علاج سوء التغذية المتوسط، وأن مستلزمات علاج الحالات الحادة الشديدة تصل عبر اليونيسيف ومكتب الصحة في المحافظة.
وتوثق ملفات العيادة تحسن 4 أطفال كانوا يعانون سوء تغذية حاداً شديداً، بعد متابعة يومية وأسبوعية وتدريب أمهاتهم على التغذية العلاجية؛ فعادت شهيتهم وازداد وزنهم قبل خروجهم. وهم عبد الله أحمد صغير، وحكيمة ضيف الله قطر، وعالية فواز نعمان، وشافية عبد ربه شداد. وتضم ملفاتهم فترات الدخول والخروج والأوزان قبل العلاج وبعده، من دون إيراد قيم تلك الأوزان في المادة.
وفي حجة، نزحت أسرة حسن رزام محمد من ميدي إلى أحد مخيمات عبس. وكان يعاني ضعفاً في النطق منذ ولادته، ثم أصيب بسوء تغذية حاد جعله غير قادر على الوقوف والحركة، فيما لم تتمكن أسرته من توفير ما يكفيه من الطعام أو العلاج. وتلقى في مستشفى أسلم أغذية علاجية ورعاية طبية لأسابيع، قبل أن يتحسن وزنه ونشاطه تدريجياً.
وتراجع المستشفى نفسه مريم محمد طاهر، البالغة 6 سنوات، لعلاج سوء التغذية الحاد. وتقول أسرتها إنها تعاني أيضاً وجود سوائل في الدماغ. وكان والدها قد أخذها إلى صنعاء قبل نحو عامين، حيث أبلغه الأطباء بحاجتها إلى عملية عاجلة لتصريف السوائل، لكنه عاد بها لعدم قدرته على تحمل تكلفتها. وفي الضالع، تفيد المعلومات التي حصلت عليها الجزيرة نت بأن وزن أحمد، البالغ 7 سنوات، لم يتجاوز 9 كيلوغرامات.
ووفق تقديرات المنظمات الأممية لعام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص في اليمن إلى المساعدة والحماية الإنسانية، ويواجه 18.3 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. ومن بين الأطفال دون الخامسة الذين يُقدَّر أنهم يعانون سوء التغذية الحاد، يعاني 516,157 طفلاً الصورة الحادة الشديدة. ويُتوقع أن تعاني نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة سوء التغذية. وهذه تقديرات لحجم الاحتياج بين السكان، وليست أعداد حالات مسجلة في العيادات أو أطفال موجودين جميعاً في المستشفيات. وتشير خطة الأمم المتحدة لعام 2026 أيضاً إلى حاجة 14.4 مليون شخص لخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، وأن نحو 59.3% فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها.
وتظهر بيانات خطط الاستجابة الإنسانية فجوة متكررة بين الاحتياجات والتمويل: ففي 2015 بلغت الاحتياجات نحو 1.6 مليار دولار، مقابل تمويل يقارب 900 مليون دولار. وفي 2022 بلغت 4.27 مليارات دولار، مُوّل منها نحو 2.27 مليار. أما في 2023، فبلغ التمويل نحو 1.76 مليار دولار مقابل احتياجات تجاوزت 4.34 مليارات. وفي 2024 بلغت الاحتياجات نحو 2.71 مليار دولار والتمويل نحو 1.51 مليار. وحتى منتصف 2025، بلغ التمويل نحو 705 ملايين دولار مقابل احتياج إجمالي قدره نحو 2.48 مليار. وتطلب خطة 2026 نحو 2.16 مليار دولار، وكانت ممولة بنسبة 20.6% فقط وقت إعداد التحقيق. وتخص هذه الأرقام الاستجابة الإنسانية بمختلف قطاعاتها، لا علاج سوء التغذية وحده.
ويرى موسى علاية، المتخصص في الحوكمة والإدارة العامة وقضايا المساعدات الإنسانية واقتصادات الحرب، أن تقييم المساعدات ينبغي أن يشمل أثرها في خفض الحاجة إليها، لا حجم الإنفاق فقط. ويقول إن أثرها يتأثر بطريقة توزيعها وقنوات وصولها وأولويات المانحين، إلى جانب البيئة السياسية والاقتصادية والمؤسسية. وبحسب تحليله، تستطيع المساعدة توفير الغذاء والماء والدواء وإنقاذ الأرواح في الحالات الحرجة، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة الرواتب وفرص العمل والخدمات العامة أو إنهاء اقتصاد الحرب.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!