روّجت جهات رسمية إسرائيلية لفيلم مضاد للوثائقي «نازا» مستندة إلى عدّاد على موقعه تجاوز 43 مليون مشاهدة صباح 14 أكتوبر/تشرين الأول. لكن فحصا أجرته وحدة صحافة البيانات في «الجزيرة نت» للموقع وبيانات الزيارات لم يجد قياسا مستقلا يؤكد الرقم؛ فيما لم تتجاوز مشاهدات نسخة الفيلم الكاملة على قناته الرسمية في يوتيوب 130 ألفا حتى ذلك التاريخ.
أُنتج الفيلم المضاد بعد فوز «نازا» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية في سبتمبر/أيلول الماضي. ويعرض الوثائقي الأصلي شهادات جنود إسرائيليين عن آليات قتل المدنيين في غزة، وتقرر عرضه في صالات 56 دولة.
في 14 سبتمبر/أيلول، طلب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار دراسة سحب جنسية مخرجَي «نازا»، يوفال أبراهام وراحيل تسور، بدعوى «الخيانة». وأمر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بإجراء تحقيق للوصول إلى مصادر الفيلم. وفي مساء 11 أكتوبر/تشرين الأول، طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتحقيق مع جميع المشاركين فيه ومحاكمتهم.
بحسب سجلات النطاقات التي تعرضها أداة تابعة لهيئة «آيكان»، سُجّل نطاق nazadocumentary.com في 16 سبتمبر/أيلول، بعد 6 أيام من عرض الوثائقي الأصلي ويومين من تصريحات زوهار وزامير. وبيانات مالك النطاق محجوبة، وقد سُجّل عبر شركة «كلاودفلير».
أظهرت أقدم نسخة محفوظة للموقع في أرشيف الإنترنت، بتاريخ تسجيل النطاق نفسه، أنه قدّم نفسه موقعا رسميا لـ«نازا» باسم مخرجَيه، مع أقسام للعروض والصحافة وفريق العمل. لكنه وصف الفيلم بأنه يكشف «الأنظمة التي تقف خلف القتل الجماعي المحسوب لإرهابيين في غزة». وفي نسخة مؤرخة بـ30 سبتمبر/أيلول، حلّ عنوان «نازا: القصة الحقيقية» محل تلك الصفحة، مع وصف يقول إن أسماء مخرجي الفيلم الإسرائيلي لم تُذكر «لأسباب أمنية».
يقف خلف الفيلم المضاد المحامي وجندي الاحتياط أريئيل أفربوخ، وهو أحد مؤسسي منظمة قادت حملة ضد فيلم «لا أرض أخرى»، إلى جانب روعي دانينو، المرشح عن حزب «إسرائيل أولا» اليميني، وحجاي غوتمان. ويقدّمهم الموقع على أنهم موّلوا العمل بأنفسهم. ووصف أفربوخ الفيلم بأنه «خطوة هجومية» لصرف انتباه العالم عن اتهامات قتل المدنيين في غزة.
تبلغ مدة «نازا: القصة الحقيقية» 49 دقيقة، ويقلّد أسلوب الوثائقي الأصلي بمقابلات ليلية مع ضباط إسرائيليين على أسطح تل أبيب. ويقول موقعه إنه مترجم إلى 39 لغة. وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول، سُجّل نطاقان آخران، whatisnaza.com وwatchnaza.com، يقدّمان معلومات عن الوثائقي الأصلي ومواعيد عرضه، لكنهما يضمان زرا يقود إلى الفيلم المضاد. ويقول الموقعان إنهما غير مرتبطين بصنّاع «نازا»، من دون الكشف عن الجهة التي تقف خلفهما.
قالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن إن وزارة الخارجية الإسرائيلية لم تشارك في إنتاج الفيلم المضاد، لكنها تريد الترويج لرسالته. وقدّمته السفارة في 3 أكتوبر/تشرين الأول بوصفه فيلما «يصحّح الرواية»، قبل أن تروّج له حسابات رسمية أخرى، بينها حسابا وزارة الخارجية ومكتب رئيس الوزراء.
في 8 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن حساب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن رئيسة المديرية الوطنية للدبلوماسية العامة، تسيبي حوتوفلي، كرّمت صنّاع الفيلم الثلاثة. وقالت حوتوفلي إن الفيلم «حصد عشرات الملايين من المشاهدات». وصباح 14 أكتوبر/تشرين الأول، قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن الفيلم «أُوقف مؤقتا» إثر ما وصفته بأنه «حملة منسّقة من جماعات إسلامية متطرفة»، من دون تقديم دليل، ودعت متابعيها إلى الانضمام إلى «الملايين الذين شاهدوه بالفعل».
كان العدّاد الظاهر على موقع الفيلم يشير صباح 14 أكتوبر/تشرين الأول إلى 43 مليونا و758 ألفا و421 «مشاهدة»، من دون بيان مصدر الرقم أو طريقة احتسابه. وكانت صحيفة «الغارديان» قد وصفت الرقم في 8 أكتوبر/تشرين الأول بأنه «غير معقول»، ورجّحت أن يكون مرتبطا بطلبات تصل إلى الموقع من أشخاص أو برامج آلية، لا بعدد من شاهدوا الفيلم.
لا ينشر الموقع بيانات المشاهدة الفعلية. وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول، لم تتجاوز مشاهدات الفيلم الكامل على قناته الرسمية في يوتيوب، التي يحيل إليها الموقع نفسه، 130 ألفا؛ أي إن الرقم المعروض على العدّاد كان يعادل نحو 336 ضعف مشاهدات تلك النسخة. ولم يتجاوز عدد مشتركي القناة ألفين، ولا متابعي حساب الفيلم على منصة إكس 170.
لا يمكن تحديد عدد زوار موقع بدقة من خارجه. وتقدّر أدوات تحليل الزيارات الأعداد ومصادرها اعتمادا على عينات من المستخدمين، وتقل دقتها مع المواقع الجديدة؛ لذلك تُقرأ نتائجها مؤشرات لا أعدادا نهائية. وبحسب منصة «سيمرش» الأمريكية، ظهرت أول زيارات مرصودة للموقع في 29 سبتمبر/أيلول، وبلغت ذروتها يومي 5 و6 أكتوبر/تشرين الأول، بنحو 130 إلى 140 ألف زيارة يوميا. وقدّرت المنصة مجموع الزيارات حتى 8 أكتوبر/تشرين الأول بنحو نصف مليون، وأقل من مليون في كل الأحوال. وأظهرت بياناتها أن 80% من زيارات اليومين الأولين جاءت من إسرائيل، وأن الزيارات المباشرة، ومنها ما يأتي عبر روابط في تطبيقات المراسلة أو بكتابة عنوان الموقع، هيمنت في أكتوبر/تشرين الأول.
أما منصة «سيميلار ويب»، الإسرائيلية المنشأ، فلم تكن تتوفر لديها سوى بيانات سبتمبر/أيلول، وقدّرت زيارات الموقع خلاله بـ326 زيارة. ورغم اختلاف المنصتين في تقدير ذلك الشهر، فإن أرقامهُما تضع الزيارات في نطاق المئات أو الآلاف، لا الملايين.
ولم تظهر نطاقات الفيلم الثلاثة في قائمة «ترانكو» البحثية لأكثر مليون نطاق زيارة في العالم، في نسختها التي تغطي الفترة من 12 سبتمبر/أيلول إلى 11 أكتوبر/تشرين الأول. وطوّرت جامعات أوروبية هذه القائمة. ولا يُعدّ غياب النطاقات دليلا حاسما، لأن الموقع لم يبدأ استقبال الزيارات إلا خلال الأسبوعين الأخيرين تقريبا من تلك الفترة، لكنه مؤشر إضافي عند مقارنته برقم العدّاد.
أظهر فحص الرمز البرمجي للصفحة أن العنصر الذي يعرض الرقم موسوم داخليا بكلمة تعني «زوّار»، بينما يظهر للمستخدم تحت كلمة «مشاهدات». وقد تكون التسمية الداخلية مجرد اختيار تقني، لكنها التعريف الوحيد المتاح للرقم. وتُظهر النسخ المؤرشفة أن الكلمة الظاهرة كانت في البداية «مشاهدون»، قبل أن تصبح «مشاهدات» في نسخة 8 أكتوبر/تشرين الأول، من دون توضيح.
يصل الرقم جاهزا من خادم الموقع، لذلك لا يمكن معرفة طريقة حسابه من خارج الموقع. وعند فتح الصفحة يبدأ العدّاد من 97% من قيمته، ثم يرتفع خلال 3 ثوانٍ حتى يبلغ الرقم المعروض، فيبدو كأنه يتغير لحظة بلحظة. ولا يحتوي الموقع أداة تحليل خارجية مستقلة، مثل «غوغل أناليتكس». وفي المقابل، يرسل الموقع ملفا لتتبّع المشاهدة بعد نحو 25 ثانية من تشغيل الفيلم، يتضمن معرّفا لجلسة المشاهدة وعدد الثواني والأجزاء التي شوهدت، لكنه لا ينشر تلك البيانات، ولا يُعرف إن كان العدّاد يعتمد عليها.
لم يكن العدّاد موجودا في النسخ المؤرشفة حتى 2 أكتوبر/تشرين الأول. وظهر في نسخة 4 أكتوبر/تشرين الأول عند نحو 9 ملايين، ثم بلغ 25 مليونا مساء 5 أكتوبر/تشرين الأول، و42.5 مليونا مساء 8 أكتوبر/تشرين الأول؛ أي بزيادة تفوق 17 مليونا خلال 3 أيام. وفي الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر/تشرين الأول، قدّرت «سيمرش» مجموع زيارات الموقع بنحو 200 إلى 300 ألف زيارة. وبعد 8 أكتوبر/تشرين الأول، تباطأت زيادة العدّاد فجأة من نحو 6 ملايين يوميا إلى نحو 200 ألف، من دون أن تكشف البيانات المتاحة السبب.
وللمقارنة بحجم انتشار موثق، بلغ فيلم «كوني 2012» الوثائقي 100 مليون مشاهدة على مختلف المنصات خلال 6 أيام في مارس/آذار 2012، بعدما انتشر على نطاق عالمي وتداوله مشاهير ووسائل إعلام. ومع ذلك، احتاجت قناته الرسمية على يوتيوب إلى 14 عاما لتبلغ 103 ملايين مشاهدة. أما عدّاد «نازا: القصة الحقيقية» فأظهر أكثر من 43 مليونا خلال أقل من 3 أسابيع، من دون تفاعل مماثل ظاهر على يوتيوب أو إكس، أو صدى في نقاشات الجمهور يقارب ما أحدثه الوثائقي الأصلي.
ووصفت مجلة «كولومبيا للصحافة» الحملة الإسرائيلية على «نازا» بأنها بدأت قبل أن يشاهده أحد تقريبا. ورأت الكاتبة ميشيل غولدبرغ في «نيويورك تايمز» أن الحملة تدل على خشية رسمية من صدق رواية الفيلم، لا من أثرها على صورة إسرائيل. ويبقى رقم المشاهدات المعروض على موقع الفيلم المضاد بلا مصدر معلن أو تأكيد من أداة قياس مستقلة.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!