تكررت في نيويورك ومحيطها مشاهد تسرب المياه من خلف الأبواب المغلقة وتعطل مصارف مياه الأمطار وغمر الشوارع بمياه الفيضانات. وتشير المعطيات الواردة إلى أن هذه الظواهر الجوية العنيفة لا تبدو أكثر تكرارًا فحسب، بل إنها أصبحت كذلك بالفعل.
وشهدت أجزاء من نيوجيرسي، مساء الاثنين، أمطارًا غزيرة غمرت طرقًا عدة، قبل يوم من احتمال وقوع حدث جوي قد يكون أشد سوءًا. كما أن فيضانات السواحل تتزايد، وتتسع معها آثارها في المنطقة.
وتقول إدارة الحفاظ على البيئة في ولاية نيويورك إن «زيادة الهطول عبر أحداث مطرية أكثر تكرارًا وشدة تؤثر في نيويورك من خلال زيادة الفيضانات في أجزاء كثيرة من الولاية».
ويلعب تغير المناخ دورًا في هذه الوقائع؛ إذ يعرف العلماء أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية يجعل الهطولات الغزيرة أكثر ترجيحًا، وفقًا لمجلة Science Advances.
نيويورك ضمن المدن الساحلية عالية الخطر
وضعت دراسة نشرتها المجلة مدينة نيويورك ضمن المدن الساحلية ذات مخاطر الفيضانات المرتفعة. وذكرت أن نيويورك تضم أكبر عدد من السكان المعرضين للخطر بين 8 مدن ساحلية عالية المخاطر، مع 4.75 مليون شخص معرضين لأضرار الفيضانات العامة و4.40 مليون لأضرار الفيضانات الشديدة. وأضافت أن مدينة نيو أورليانز تسجل أعلى تعرض نسبي، بنحو 99% في الحالتين.
وبحسب الدراسة، تكون مخاطر الفيضانات الساحلية أشد في المناطق الحضرية المنخفضة والكثيفة التطوير، حيث ترتفع كثافة شبكات التصريف. ولا يقتصر الخطر على تغير المناخ، بل يرتبط أيضًا بعوامل تشمل الارتفاع عن سطح البحر، وكثافة التصريف والسكان، وكميات الأمطار، وارتفاع المباني، والمسافة من الأنهار والساحل.
وتشير بيانات قاعدة بيانات الأحداث الطارئة، التي استندت إليها الدراسة، إلى تسجيل 7 ملايين وفاة بين عامي 1900 و2021 نتيجة الفيضانات، التي أثرت في 38 مليون شخص وخلفت أضرارًا بقيمة 1.3 تريليون دولار. وتعد الفيضانات الكارثة الطبيعية الأعلى كلفة، بسبب مليارات الدولارات من الأضرار والخسائر الزراعية.
وتتوقع الدراسة أن يرتفع مستوى سطح البحر على طول السواحل الأمريكية بين 0.25 و0.3 متر بحلول عام 2050، ما يزيد احتمالات الفيضانات الشديدة في المدن الساحلية الكبرى. كما تتصاعد مخاطر الفيضانات المرتبطة بالأعاصير على سواحل خليج المكسيك والأطلسي في الولايات المتحدة بفعل ارتفاع مستوى البحر، بما يهدد السكان والبنية التحتية الساحلية. وتشير إلى أن نحو 30% من المقاطعات على امتداد هذين الساحلين تواجه حاليًا خطرًا مرتفعًا، مع قدرة منخفضة على الصمود وهشاشة اجتماعية كبيرة، وأن هذا الخطر مرشح للارتفاع مستقبلًا.
هواء أكثر رطوبة وتربة أقل قدرة على الامتصاص
وتقول منظمة صندوق الدفاع عن البيئة غير الربحية إن تغير المناخ أثر في رطوبة الهواء، وبالتالي في الهطول وقدرة الأرض على امتصاص المياه، وهي عوامل تسهم جميعها في الفيضانات. وبحسب المنظمة، يمكن أن تعني كل زيادة بمقدار درجة فهرنهايت واحدة في الحرارة 4% إضافية من بخار الماء في الهواء. ولأن متوسط حرارة سطح الأرض في عام 2020 كان أعلى بأكثر من درجتين فهرنهايت مقارنة بما كان عليه قبل 100 عام، فقد يحتوي الهواء والسحب على رطوبة إضافية تقارب 9%.
وأضافت المنظمة أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الظروف الحارة والرطبة، بدلًا من الحارة والجافة، ستصبح أكثر شيوعًا مستقبلًا. فموجات الحر التي تسبق الأمطار الغزيرة تجفف التربة، ما يقلل قدرتها على امتصاص المياه عند هطولها ويرفع احتمال الفيضانات.
وأفادت وكالة ناسا بأن الفيضانات كلفت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار بين 1980 و2024، بمتوسط 4.5 مليار دولار لكل فيضان. وقالت إن تواتر الفيضانات وشدتها تغيرا مع تحول مستويات الأمطار، مستشهدة بدراسة للمسح الجيولوجي الأمريكي وجامعة فيينا خلصت إلى أن الفيضانات أصبحت أكثر تكرارًا في منطقة نيو إنغلاند منذ أربعينيات القرن الماضي، وتناولت أيضًا شدة أحداث الفيضانات ومدتها.
كما وجدت أبحاث ناسا أن عدد الأشخاص حول العالم المقيمين في مناطق معرضة للفيضانات ارتفع بين 20% و24% منذ عام 2000، بمعدل يزيد 10 مرات على ما توقعته النماذج السابقة، في ظل دور تغير المناخ في دفع الأمطار المتطرفة وارتفاع مستويات البحر واشتداد الأعاصير.
وتتوقع مؤسسة «فيرست ستريت» زيادة «كبيرة» في خطر الفيضانات خلال الأعوام الـ30 المقبلة على سواحل الأطلسي وخليج المكسيك، وقفزة «كبيرة» في المخاطر بشمال غرب الولايات المتحدة.
الحد من المخاطر
ومع استمرار بناء المساكن في مناطق معرضة للفيضانات، يرى صندوق الدفاع عن البيئة ضرورة إتاحة معلومات دقيقة ومحدثة عن مخاطر الفيضانات على نطاق واسع، لمساعدة الناس على تجنب المناطق المعرضة لها، إلى جانب تعزيز التخطيط الحكومي وتمويل تعافي المجتمعات عند وقوع الكوارث. كما طالب سكان في مناطق الخطر بتحسين البنية التحتية، بما في ذلك أنظمة تصريف المياه.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!