اقتحمت قوات إسرائيلية مركز قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، فيما تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتحرك ضد الوكالة «بكل الوسائل المتاحة» ومنعها من مواصلة نشاطها داخل إسرائيل. ويستقبل المركز نحو 350 طالبا فلسطينيا سنويا.
وجاء الاقتحام في ظل تصاعد المواقف السياسية الإسرائيلية المرتبطة بالانتخابات، ودخول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في مواجهة مع الأونروا. ولا يقتصر استهداف المركز، وفق ما ورد في المادة، على المبنى والخدمات التعليمية، بل يرتبط أيضا بملف اللاجئين الفلسطينيين وبصراع الروايات والحسابات الأيديولوجية والانتخابية في إسرائيل.
وقال الخبير في الشؤون الأمنية والسياسية عدنان ضميري إن حكومة نتنياهو أعلنت صراحة رغبتها في إنهاء وجود الأونروا والمخيمات الفلسطينية لأسباب أيديولوجية. واعتبر أن وجود الوكالة، بغض النظر عن الاتهامات الإسرائيلية الموجهة إليها، يمثل شاهدا على النكبة الفلسطينية عام 1948 وعلى اللجوء والتهجير والمجازر التي قال إنها ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين.
وأضاف ضميري أن الأونروا تناقض الرواية الإسرائيلية التي قامت، بحسب قوله، على مقولة إن فلسطين «أرض بلا شعب»، مشيرا إلى أن تفكيك هذه الرواية استغرق عقودا من النضال الفلسطيني وصولا إلى ظهور الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على منصة الأمم المتحدة. وشدد على أن وجود اللاجئين وما جرى عام 1948 حقيقة تاريخية لا تستطيع إسرائيل التنصل منها.
وربط ضميري بين اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1995، بعد توقيعه اتفاق أوسلو واعترافه بحقوق الفلسطينيين، وبين طبيعة اليمين الحاكم حاليا في إسرائيل. وقال إن غالبية الإسرائيليين تتبنى فكرة «أرض الميعاد» وتنفي حق الفلسطينيين فيها.
في المقابل، قال كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي يوحنان تسوريف إن الأونروا تواجه انتقادات إسرائيلية واسعة منذ سنوات. وأوضح أن الادعاء الإسرائيلي الرئيس هو أن الوكالة «تكرس قضية اللاجئين وتمنع التوصل إلى حل»، ولذلك تعدها أطراف إسرائيلية عقبة أمام اتفاق نهائي.
وأضاف تسوريف أن أحداث 7 أكتوبر شكلت نقطة تحول، إذ أتاحت الاتهامات الإسرائيلية المتعلقة بصلات موظفين في الوكالة بحركة حماس للحكومة الإسرائيلية مبررا لاتخاذ إجراءات عملية ضد الأونروا. وفي أكتوبر 2024، أقر الكنيست قانونين يحظر أولهما نشاط الوكالة داخل المناطق التي تعدها إسرائيل خاضعة لسيادتها، فيما يمنع الثاني الجهات الحكومية الإسرائيلية من التواصل مع الوكالة أو ممثليها. واعتبر أن الإجراءات الأخيرة تندرج ضمن تطبيق هذين القانونين.
وحذر تسوريف من اعتبار هذه السياسات ممثلة لجميع الإسرائيليين، وقال إن وصول شخصيات متطرفة إلى مواقع مؤثرة أتاح لها اتخاذ خطوات قد تضر بمستقبل إسرائيل في ضوء ردود الفعل الدولية والفلسطينية المتوقعة.
من جهته، اعتبر ضميري أن «الدم الفلسطيني» يتحول إلى وقود في الانتخابات الإسرائيلية، وأن الاعتداء على الفلسطينيين قد يستخدم لتحقيق مكاسب انتخابية. كما تحدث عن تسليح المستوطنين وحمايتهم، قائلا إن الجيش الإسرائيلي ينفذ سياسة السلطات الإسرائيلية ولا يمكن فصله عن ممارسات المستوطنين في الأراضي الفلسطينية.
وقال تسوريف إن معارضة هذه السياسات لا تقتصر على أقلية، مشيرا إلى انتقادات داخل الصحافة والمؤسسة العسكرية وأوساط إسرائيلية مختلفة. وأضاف أن استطلاعات الرأي تمنح المعارضة تقدما مستمرا، رغم انتماء جزء كبير منها إلى اليمين، ورأى أنها أكثر استعدادا لمناقشة القضايا السياسية والحفاظ على الديمقراطية وحرية التعبير.
واستشهد بموقفي غادي أيزنكوت ونفتالي بينيت الداعيين إلى إزالة البؤر الاستيطانية التي لا تستند إلى أساس قانوني، معتبرا أن ذلك قد يفتح مجالا للتعاون، رغم بقاء مفاوضات الحل النهائي بعيدة. كما رأى أن نتائج الحرب قد تؤثر في التنافس بين حركتي فتح وحماس، وقد تمنح ما وصفه بفشل حماس فرصة لفتح لتأكيد أن موقفها كان أكثر صوابا في الخلاف السياسي بين الطرفين.
ويعكس اقتحام مركز قلنديا، بحسب الطرح الوارد، انتقال المواجهة الإسرائيلية مع الأونروا من الانتقاد السياسي إلى التشريع والتنفيذ الميداني، مع تزايد رهان القوى الإسرائيلية على الملفات الفلسطينية مع اقتراب الانتخابات.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!