تتواصل أزمة هجرة الأطباء من مصر، إذ تشير تقديرات متداولة في الأوساط الطبية إلى أن أكثر من نصف نحو 350 ألف طبيب مقيدين في نقابة الأطباء المصرية إما غادروا للعمل في الخارج أو تركوا المهنة نهائيا. ويقول أطباء إن تدني الدخل ليس السبب الوحيد، بل تقترن به ظروف عمل مرهقة وضعف الحماية والتدريب والمساءلة الجنائية عن الأخطاء والمضاعفات الطبية.
ومن بين هؤلاء الطبيب ماجد فياض، استشاري المسالك البولية، الذي قال إن قراره بالهجرة جاء بعد 5 سنوات من العمل في أحد المستشفيات الحكومية المصرية. وروى أنه كان يعمل نوبات متواصلة من الثامنة صباحا حتى الثالثة فجرا، وسط مكافآت محدودة وفرص تدريب غير كافية وتكرار الاعتداءات في أقسام الاستقبال.
وبحسب التقديرات ذاتها، فإن بقاء الأطباء الذين هاجروا أو غادروا المهنة داخل مصر كان سيرفع نسبة الأطباء إلى السكان إلى مستويات عالمية، بما يشير إلى أن المشكلة لا تقتصر على أعداد خريجي كليات الطب، بل تشمل قدرة القطاع الصحي على الاحتفاظ بهم.
مكافأة الامتياز
يبدأ الطبيب مساره بعد سنوات الدراسة بسنة الامتياز، وهي فترة تدريب تسبق مزاولة المهنة على نحو أوسع. وتنص المادة الثالثة من القانون رقم 18 لسنة 2023 على صرف مكافأة شهرية مقطوعة لطبيب الامتياز قيمتها 2800 جنيه، بما يعادل نحو 55 دولارا، مع إمكان زيادتها بقرار من رئيس مجلس الوزراء بعد العرض على وزير التعليم العالي وشيخ الأزهر.
ولم تتغير هذه المكافأة عمليا منذ صدور القانون، رغم ارتفاع الأسعار وزيادة الحد الأدنى للأجور. وكان قانون سابق، هو المادة الثالثة مكرر من القانون رقم 153 لسنة 2019 المعدل لأحكام من القانون رقم 415 لسنة 1954 بشأن مزاولة مهنة الطب، ينص على مكافأة تعادل 80% من إجمالي ما يتقاضاه الطبيب المقيم.
ومع اقتراب راتب الطبيب المقيم حاليا من 7 آلاف جنيه، كان تطبيق تلك النسبة سيرفع مكافأة طبيب الامتياز إلى قرابة 5600 جنيه شهريا، أي أكثر من ضعف المبلغ المقرر حاليا. ولذلك طالبت نقابة الأطباء مرارا بإعادة ربط مكافأة الامتياز بنسبة من راتب الطبيب المقيم. أما طلاب الطب في الجامعات الخاصة والأهلية فلا يحصلون على مكافأة خلال سنة الامتياز، بل يدفعون رسوما مقابل التدريب.
خمسة أسباب للأزمة
حدد إبراهيم الزيات، عضو مجلس نقابة الأطباء المصرية، 5 محاور رئيسية للأزمة. أولها تفاوت الأجور بين أطباء منظومة التأمين الصحي الشامل ونظرائهم في المنظومة التقليدية، رغم تشابه طبيعة العمل.
ويشمل المحور الثاني ضعف الحماية داخل المستشفيات وتكرر الاعتداءات البدنية على الأطباء في أقسام الاستقبال، في مقابل عقوبات قال إنها لا تتجاوز غرامات مالية بسيطة، بخلاف قوانين أكثر ردعا مطبقة في دول أخرى.
أما المحور الثالث فهو تراجع التدريب وغياب نظام واضح للتعليم الطبي المستمر، بالتزامن مع زيادة أعداد الخريجين من دون بنية تحتية كافية لاستيعابهم. ويتعلق الرابع بالملاحقة القضائية، إذ أشار الزيات إلى تجريم الأخطاء والمضاعفات الطبية وحبس الأطباء بدلا من الاكتفاء بالتعويض المدني، بما يدفع بعضهم إلى تجنب الحالات عالية الخطورة خشية المساءلة الجنائية.
وذكر الزيات أن التعنت الإداري يمثل المحور الخامس، من خلال نقص الأدوية والأجهزة، وقرارات منع الإجازات أو رفض الاستقالات بدلا من معالجة أسباب المشكلة.
وقالت شيماء طلال، استشارية طب الأطفال، إن الهجرة كانت خيارا مطروحا في بداية مسيرتها، لكن امتلاك عيادة خاصة وبناء اسم مهني وعلاقة مستقرة مع المرضى، إلى جانب المسؤوليات الأسرية، جعل القرار أكثر تعقيدا من المقارنة بين راتبين.
وترى طلال أن دوافع السفر تشمل البحث عن بيئة عمل أكثر تنظيما، وساعات عمل مقبولة، وتقدير مهني، وفرص للتخصص والبحث العلمي. لكنها نبهت إلى أن العمل في الخارج لا يخلو من صعوبات، بينها البدء من الصفر وتعلم لغة جديدة واجتياز امتحانات المعادلة وإثبات الذات في مجتمع جديد، فضلا عن الابتعاد عن الأسرة والوطن.
من جهته، قال فياض إن انخفاض الأجور كان دافعا رئيسيا لهجرته، إلى جانب غياب حدود واضحة للأدوار المهنية بحسب خبرة كل طبيب، واستمرار الاعتداءات على المنشآت الصحية، ومحاكمة الأطباء جنائيا عن أخطاء طبية بدلا من وجود قضاء طبي متخصص. وأضاف أن غالبية الأطباء المصريين في الخارج يتمنون العودة إذا تحسنت الظروف.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!