رفضت وزارة الصحة والسكان في مصر الاعتماد على المقارنات المتداولة بين أعداد الأطباء المقيدين في النقابة وأعداد العاملين في القطاع الحكومي لتقدير حجم هجرة الأطباء، مؤكدة أن هذه المقارنات تستبعد عشرات الآلاف ممن يعملون خارج منشآت الوزارة. وقالت إنه لا يوجد حتى الآن إحصاء رسمي يرصد عدد الأطباء الذين غادروا مصر فعليا، فيما تعمل الدولة على إنشاء مرصد وطني موحد للقوى العاملة الصحية.
وجاء موقف الوزارة ردا على ما طرحته نقابة الأطباء بشأن سفر الكوادر الطبية وأسبابه، بما يشمل الأجور وظروف العمل والتدريب والحماية القانونية.
وقال المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان حسام عبد الغفار إن انتقال الأطباء بين الدول يمثل ظاهرة عالمية متزايدة مع ارتفاع الطلب الدولي على الكوادر الطبية، لكنه شدد على أن التقديرات واستطلاعات الرأي لا ينبغي التعامل معها بوصفها أرقاما مؤكدة عن الهجرة الفعلية.
وأضاف أن الدراسات التي تقيس نية السفر يمكن أن تستخدم لتقييم الرضا الوظيفي ووضع سياسات تستهدف استبقاء الأطباء، لكنها لا تعني أن جميع المشاركين فيها غادروا مصر أو سيغادرونها.
صعوبة حصر الأطباء
وأوضح عبد الغفار أن مقارنة أعداد المسجلين في النقابة بأعداد العاملين في مستشفيات وزارة الصحة لا تقدم صورة دقيقة لتوزيع القوى الطبية في مصر، لأنها لا تشمل آلاف الأطباء العاملين في المستشفيات الجامعية وجامعة الأزهر والقطاع الخاص والمؤسسات العلاجية والبحثية والمنشآت العسكرية والشرطية، فضلا عن العاملين في الإدارة والصناعات الدوائية ومسارات مهنية أخرى.
وقال إن عدم وجود قاعدة بيانات موحدة تربط تلك الجهات يصعّب الوصول إلى رقم نهائي ودقيق للأطباء الموجودين داخل مصر أو العاملين في الخارج. وكشف عن العمل على إنشاء مرصد وطني موحد لجمع البيانات من الجهات المختلفة وتقديم مؤشرات أدق عن أعداد الأطباء وتخصصاتهم وتوزيعهم الجغرافي وتحركاتهم المهنية.
المكافآت والأجور والتدريب
وفي ما يتعلق بمكافآت أطباء الامتياز، قال عبد الغفار إن طبيب الامتياز يعد قانونا متدربا يستكمل متطلبات الحصول على ترخيص مزاولة المهنة، وليس موظفا مثبتا لدى وزارة الصحة. وأضاف أن تنظيم المكافآت وتوفير مخصصاتها المالية من اختصاص وزارة التعليم العالي والجامعات.
وذكر أن مكافأة طبيب الامتياز ارتفعت من 400 جنيه شهريا قبل عام 2020 إلى 2200 جنيه، ثم إلى 2800 جنيه بموجب التعديلات التشريعية الأخيرة. ووصف المطالب بربط مكافأة طبيب الامتياز بنسبة من راتب الطبيب المقيم بأنها مشروعة، وقال إنها قيد الدراسة والتنسيق بين الجهات المعنية.
وأشار إلى أن أعضاء الفريق الصحي يتمتعون بكادر مالي مستقل عن بقية المهن المدنية بموجب القانون رقم 14 لسنة 2014 وتعديلاته. وقال إن التعديلات شملت زيادة بدل مخاطر المهن الطبية، ورفع المقابل المالي لساعات السهر والمبيت، إلى جانب الزيادات المرتبطة برفع الحد الأدنى للأجور.
وأضاف أن حافزا إضافيا بقيمة 750 جنيها شهريا أُقر للعاملين، مع زيادة مقابل النوبتجيات، أي نوبات العمل، بنسبة 25 بالمئة. وأقر بأن هذه الإجراءات لم تنه جميع التحديات المرتبطة بالأجور، لكنه اعتبرها جزءا من مسار لتحسين المزايا المالية وبيئة العمل.
وقال إن إنشاء المجلس الصحي المصري بموجب القانون رقم 12 لسنة 2022 أعاد تنظيم التدريب المهني والتخصصي للأطباء. وأصبح المجلس، الذي حل محل جهات كانت تتولى جوانب متفرقة من التدريب، مسؤولا عن الاختبار القومي لترخيص مزاولة المهنة وتنظيم التطوير المهني المستمر.
وأضاف أن تجديد ترخيص الطبيب كل 5 سنوات بات مرتبطا باستمرار التدريب والتطوير المهني. كما أشار إلى تعديلات أقرها المجلس الأعلى للجامعات لنسب القبول في كليات الطب، بهدف حماية جودة التدريب العملي ومنع تجاوز أعداد الطلاب الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الجامعية.
المساءلة الطبية وحرية السفر
وقال عبد الغفار إن قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض رقم 13 لسنة 2025 أعاد تنظيم إجراءات مساءلة الأطباء، عبر نقل تقييم الوقائع الطبية إلى لجان فنية متخصصة تضم استشاريين وخبراء.
وأضاف أن القانون ألغى عقوبة الحبس في الأخطاء والمضاعفات الطبية، باستثناء الحالات المحددة حصرا في النص، بما يمنع إخضاع الطبيب للمساءلة الجنائية قبل تقييم فني متخصص لطبيعة الواقعة. وأشار إلى إنشاء صندوق حكومي للتأمين ضد أخطار الأخطاء الطبية، مسجل لدى الهيئة العامة للرقابة المالية، لتغطية التعويضات المستحقة، مع تشديد العقوبات على الاعتداءات ضد المنشآت الصحية والعاملين فيها.
ولفت إلى أن مصر ليست ضمن القائمة الحمراء لمنظمة الصحة العالمية للدول التي تعاني هشاشة شديدة في القوى العاملة الصحية، والتي يطلب تجنب استقدام الأطباء منها بصورة نشطة. وقال إن هذا التصنيف يعكس قدرا من التوازن في المؤشرات العامة، رغم تحديات التوزيع الجغرافي والتخصصات النادرة وظروف العمل.
وشدد المتحدث على أن مصر لا تستهدف تقييد حركة الأطباء أو منعهم من السفر، باعتبار حرية التنقل والعمل حقا تكفله المواثيق الدولية. وقال إن السياسة المصرية تركز على تحسين بيئة العمل والمزايا المالية والتدريبية لجذب الأطباء واستبقائهم، لا على منعهم من البحث عن فرص خارج البلاد.
وبحسب رد الوزارة، فإن الخلاف مع النقابة لا يتعلق بوجود سفر للأطباء، بل بحجمه ومنهجية قياسه، إذ تؤكد الوزارة أن الأرقام المتداولة لا يمكن اعتمادها قبل إنشاء قاعدة وطنية تحدد بدقة من يعمل داخل مصر ومن غادرها فعليا.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!