يصطاد باحثون قبالة شواطئ هامبتونز في لونغ آيلاند بولاية نيويورك أسماك قرش، ويثبتون عليها أجهزة تتبع ثم يطلقونها، في مسعى لدراسة أعدادها المحلية وفهم إحدى الحضانات القليلة المؤكدة عالميًا للقرش الأبيض الكبير. وفي إحدى عمليات الصيد، تمكن الباحث غريغ ميتزغر من سحب أنثى فتية لكنها قوية من قرش النمر الرملي إلى القارب، حيث ثبّت هو وباحث بحري آخر ذيلها إلى جانبه، وأخذا عينات نسيجية منها وزرعا أجهزة صغيرة لجمع البيانات قبل إطلاقها.
وأبدى ميتزغر دهشته من متانة جلد السمكة، بعدما كسر مشرطًا جراحيًا أثناء العمل. وقال، بعد خياطة موضع الشق وإطلاقها: «ليس مستغربًا أنها موجودة منذ عصور ما قبل التاريخ وما زالت قوية حتى الآن».
وتشمل أجهزة الوسم المستخدمة جهازًا يرسل إشارة صوتية لتحديد الموقع، تلتقطها مستقبلات رصد موزعة على طول الساحل، وجهازًا آخر يقيس العمق وحرارة المياه لأشهر ثم ينفصل عن السمكة. وقال برادلي بيترسون، عالم الأحياء البحرية في جامعة ستوني بروك الذي عمل مع ميتزغر في ذلك اليوم، إن البيانات تظهر قدرة أسماك القرش على قطع مسافات شاسعة خلال عام؛ إذ تُرصد إشارات أجهزتها في نورث كارولاينا وجورجيا وفلوريدا وخليج المكسيك، ثم تعود في العام التالي إلى المنطقة للحصول على الغذاء وزيادة وزنها.
وتُعد المياه الساحلية قبالة لونغ آيلاند حضانة للقرش الأبيض الكبير، حيث تقضي أعداد كبيرة من صغاره سنواتها الأولى الضعيفة في التغذي والنمو. وتشمل الحضانات الأخرى المعترف بها عالميًا مياهًا ساحلية قبالة كاليفورنيا والمكسيك وأستراليا. وقال ميتزغر، وهو أيضًا مدرس علوم بحرية في مدرسة ساوثهامبتون الثانوية، إن الخوف الأولي من أسماك القرش يجذب اهتمام الناس، لكنه يأمل أن تبيّن الأنشطة التعليمية أنها «بعيدة كل البعد عن كونها آلات أكل بلا عقل».
مياه أدفأ وأنواع أكثر تنوعًا
وقال فرانك كيفيدو، المدير التنفيذي لمتحف ومركز ساوث فورك للتاريخ الطبيعي، الذي ينسق البحث، إن الدراسة تشير كذلك إلى وصول أنواع أكثر تنوعًا من أسماك القرش من المياه الجنوبية الأكثر استوائية خلال الصيف، مع ارتفاع حرارة المياه قبالة لونغ آيلاند ومناطق أخرى، على الأرجح بسبب تغير المناخ. وأضاف، خلال عرض معرض تفاعلي في متحف بريدجهامبتون عن المشروع: «نرى مزيدًا من أسماك القرش الدوارة، ومزيدًا من قرش الطرف الأسود، ومزيدًا من قرش الثور». وقال إن هذه الأنواع تستفيد من الموئل عندما يتوافر الغذاء، وإن الفترة الحالية تمثل ذروة الموسم.
وأكد ميتزغر أن كثرة بلاغات مشاهدة أسماك القرش على شواطئ مدينة نيويورك لا تعني بالضرورة حدوث زيادة مفاجئة في أعدادها. وقال إن هذه الأسماك كانت موجودة دائمًا في مياه لونغ آيلاند، لكن التكنولوجيا زادت من رصدها، مع انتشار الطائرات المسيّرة والهواتف المحمولة. وكانت مياه لونغ آيلاند معروفة منذ زمن طويل باعتبارها موطنًا لأنواع متعددة من أسماك القرش.
ولا تسجل قاعدة بيانات «الملف الدولي لهجمات أسماك القرش» التابعة لمتحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي أي هجوم قاتل لسمكة قرش في لونغ آيلاند، رغم تعرض مرتادي الشواطئ لعضات في السنوات الأخيرة، بينها حالة خلال هذا الصيف. ودفع ذلك مسؤولين محليين إلى الاستثمار في إجراءات سلامة تشمل طائرات مسيّرة لرصد أسماك القرش.
سنوات الصغار الأولى ومخاطر الاحترار
وقال كيفيدو إن صغار القرش الأبيض الكبير يبلغ طولها عند الولادة نحو 4 أقدام وقد يصل وزنها إلى 80 رطلاً، ولا تتولى أمهاتها رعايتها، لذلك يتعين عليها الاعتماد على نفسها فورًا. ولهذا تنجذب إلى المناطق الساحلية الضحلة نسبيًا قبالة لونغ آيلاند، حيث تتغذى بأمان على أسراب الأسماك بعيدًا عن مفترسات أخرى، بما فيها أسماك القرش الأكبر سنًا. وشبه ذلك بمرحلة الحضانة التي يتعلم فيها الأطفال الأساسيات.
ومع نضجها، تتجه أسماك القرش الأبيض الكبير شمالًا لافتراس طرائد أكبر، ولا سيما مستعمرات الفقمات الكثيفة على شواطئ كيب كود في ماساتشوستس. لكن الباحثين لاحظوا، بحسب كيفيدو، أن الصغار باتت تتجه إلى مياه نيو إنغلاند في وقت أبكر مع ارتفاع حرارة المياه المحلية، ما يقربها بصورة خطرة من الأسماك البالغة المفترسة.
وقال كيفيدو إن رواية «الفك المفترس» لبيتر بنشلي، التي تدور في بلدة ساحلية خيالية في هامبتونز، أدت بعد انتشارها قبل أكثر من 50 عامًا إلى زيادة صيد القرش الأبيض الكبير للترفيه قبالة هامبتونز، وهو ما خلّف أثرًا مدمرًا. وأضاف أن هذه القروش لا تتزاوج قبل بلوغها العقد الثالث من العمر أو بعده، ما يعني أن كثيرًا منها ربما لم تتح له فرصة التكاثر. وقال: «عندما تقتل سمكة قرش في عمر 10 سنوات، فهي لا تزال يافعة ولم تتكاثر من قبل، وبذلك تقضي على ذلك النوع بأكمله، وعلى تلك المجموعة بأكملها».
وأضاف أن جهود الحماية خلال العقود الماضية ساعدت القرش الأبيض الكبير وأنواعًا أخرى على التعافي، لكن أعدادها لا تزال بعيدة عن المستويات التي يُرجح أنها كانت عليها قبل أكثر من قرن. وقال إن المفترسات تحافظ على التوازن، وإن حماية المفترسات العليا حول العالم تساعد في صون صحة العالم قدر الإمكان.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!