ارتفع عدد أولياء الأمور في نيويورك الذين يختارون التعليم المنزلي لأبنائهم بأكثر من 200% خلال 15 عامًا، في أسرع نمو بين قطاعات التعليم، وفق أرقام 2025-2026 التي حللتها صحيفة «نيويورك بوست». ويأتي ذلك فيما تواجه أكبر منظومة مدارس عامة في الولايات المتحدة أزمة في القراءة والحساب؛ إذ تجاوز عدد الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المنزل على مستوى الولاية 53,905، أي أكثر من 3 أضعاف مستواه في 2009-10، بينما يزيد عددهم في مدينة نيويورك على 14,000 طفل.
ومنذ 2023، نما التعليم المنزلي بنحو 8%، متجاوزًا نمو الالتحاق بمدارس «تشارتر» الذي بلغ 3.1%. وقال زيلفيناس سيليناس، رئيس مركز إمباير للسياسات العامة، إن أداء مدارس نيويورك يتراجع فيما تتصاعد تكلفتها، مضيفًا أن دافعي الضرائب في الولاية ينفقون 37,000 دولار لتعليم الطفل الواحد، وهو، بحسب قوله، أعلى إنفاق في العالم، لكن الولاية تتأخر في القراءة والرياضيات عن ميسيسيبي، أفقر الولايات الأمريكية. ورأى أن بعض الأسر قد لا تعتبر التعليم المنزلي الخيار الأفضل بالضرورة، لكنها قد ترى أن أي بديل أفضل من النظام الحكومي في نيويورك.
وقالت لوري بلوك سبيغل، المدافعة منذ فترة طويلة عن التعليم المنزلي في نيويورك، إن الأسر تشتكي من صفوف مكتظة تجعل بعض الطلاب مترددين في المشاركة، ومن عدم مراعاة الفروق بين الأطفال داخل فصل يضم 30 أو 35 طالبًا بمستويات مختلفة. وأضافت أن الاعتماد على الاختبارات أدى، في رأيها، إلى التوقف عن تدريس الكتب الكاملة لصعوبة اختبار فهم كتاب كامل، والاكتفاء بمقتطفات منها.
ووجد تحليل حديث أجرته شبكة «سكسس أكاديمي تشارتر سكولز» أن أقل من نصف الطلاب اجتازوا الرياضيات أو القراءة أو المادتين معًا في اختبارات الولاية خلال العام الماضي، في 906 من أكثر من 1,500 مدرسة عامة في مدينة نيويورك. وخلص التحليل إلى أن نحو ثلث هذه المدارس الـ906 ظهر في قوائم «المساءلة» التابعة للولاية منذ 2012، وأن بعضها صُنّف مدارس فاشلة لعقود.
وقالت أدريان جنسن، 45 عامًا، وهي أم لأربعة أطفال من أبر ويست سايد، إنها كانت تعد التعليم المنزلي خيارًا غريبًا وهامشيًا قبل أن تتعرف، عبر منتدى إلكتروني، إلى أسر تمارسه وتشبه أسرتها. وبدأت بتعليم أطفالها في المنزل رغبةً في مستوى دراسي أكثر صرامة ومن دون التعويل على الحصول على معلمين جيدين أو السكن في منطقة مدرسية جيدة. وهي الآن تعلم في المنزل 3 من أطفالها الأربعة، أعمارهم 16 و14 و12 عامًا، وكانت قد علمت ابنتها الكبرى، البالغة 19 عامًا والتي تدرس في السنة الثانية بجامعة كورنيل.
وقالت جنسن إن عوامل الجذب باتت تتعلق بالوقت والحرية بقدر أكبر من الجانب الأكاديمي؛ إذ تقضي الأسرة نصف وقتها على الأقل في الهواء الطلق أو في المتاحف والمؤسسات الثقافية في المدينة. وقد التحق أطفالها بدروس في متحف المتروبوليتان للفنون وجمعية نيويورك التاريخية، وراقبوا الطيور في سنترال بارك، وشاركوا في نوادي الكتب والجري، ونظموا رحلات داخل المدينة، بل أنشأوا صحيفة خاصة بطلاب التعليم المنزلي.
وفي استطلاع أجرته إدارة التعليم في مدينة نيويورك عام 2025، قال 21% من أولياء أمور الأطفال الذين يتعلمون في المنزل إن أبناءهم يحصلون على تعليم أكثر صرامة مما يمكن أن توفره المدارس العامة. وفي استطلاع للمركز الوطني لإحصاءات التعليم عام 2019، أشار 80.3% من هؤلاء الآباء إلى مخاوف بشأن البيئة المدرسية لأبنائهم، وقال 72.6% إنهم غير راضين عن التدريس الأكاديمي في مدارس أخرى، فيما ذكر 54.2% رغبتهم في قضاء وقت أطول مع الأسرة.
ومن بين هؤلاء فيفيان رايت، 46 عامًا، وهي أم من هارلم تعلم ابنتها فيوليتا، 9 أعوام، في المنزل. وقالت إن الأمر لم يكن خطتهما الأصلية، لكنها بدأت ترتب للتعليم المنزلي بعدما أدركت أن ابنتها موهوبة أكاديميًا وأن عملها المزدحم كمدرّسة لاختبارات A.P. لا ينسجم مع تقويم المدرسة. وتدرس فيوليتا الرياضيات لمدة تصل إلى 90 دقيقة في المرة، والعلوم الإنسانية عبر مشروعات تقارن الفولكلور بين ثقافات مختلفة، كما تعد اختبارات العلوم بنفسها. وهي تمارس الجودو 3 مرات أسبوعيًا، والفنون مرة أسبوعيًا، وتتدرب يوميًا على الشطرنج والبيانو. وقالت والدتها إن الفضول هو العادة الأهم التي تريد تنميتها.
أما كارولينا برينكمان، 40 عامًا، من أستوريا، فقالت إنها اختارت التعليم المنزلي لأطفالها الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًا، كي يتمكنوا من قضاء وقت مع والدهم الذي يعمل طاهيًا في ساعات ليلية مرهقة. وتعلم برينكمان أبناءها في المنزل منذ الروضة، وتحول المكتبات والمتاحف والحدائق والساحات ومواقع التاريخ إلى دروس، معتبرة أن الوالدين يتعلمان أحيانًا إلى جانب أطفالهما.
وتشير بعض الدراسات، بحسب التقرير، إلى أن الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المنزل قد يحققون مستوى أكاديميًا مماثلًا أو أفضل من نظرائهم في المدارس التقليدية، وأن بعض الأبحاث رصدت نتائج اجتماعية ونمائية إيجابية. لكن عالمة النفس الإكلينيكي الدكتورة وايلداليز كارو قالت إن التطور الاجتماعي لا يقتصر على إتاحة الاحتكاك بأقران في العمر نفسه، بل يحتاج إلى فرص منتظمة لحل النزاعات، والتعامل مع الاختلافات، والالتزام بتوقعات الجماعة، وبناء علاقات يومية مستدامة مع أشخاص خارج الأسرة. وقالت الدكتورة كوني ماك رينولدز، وهي أخصائية نفسية إكلينيكية مرخصة، إن على الآباء التفكير بعناية فيما قد يخسره الطفل وما قد يكسبه، إذ توفر المدارس معلمين ومتخصصين مختلفين وتعلمًا جماعيًا وأنشطة ومواقف اجتماعية متنوعة.
وترى سبيغل، مؤسسة «هومسكول نيويورك» وهي منصة موارد للدفاع عن التعلم الموجّه ذاتيًا، أن كثيرًا من الأطفال يذبلون في المجموعات الكبيرة ويضيعون داخل الصفوف المكتظة، وأن من يشعرون بالسعادة ويزدهرون في المدارس التقليدية يرجح أن يبقوا فيها.
ويخضع التعليم المنزلي في نيويورك لمتطلبات إجرائية وتعليمية. فعلى الوالدين إبلاغ منطقتهم التعليمية، وتقديم خطة تعليم منزلي فردية، وتسجيل الحضور، ورفع 4 تقارير مرحلية فصلية سنويًا. ويجب أن يحصل الأطفال على ما يعادل 180 يومًا دراسيًا كل عام: 900 ساعة على الأقل من الروضة حتى الصف السادس، و990 ساعة للصفوف من السابع إلى الثاني عشر. وتشمل المواد الإنجليزية والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية والصحة والتربية البدنية والفنون والموسيقى، إلى جانب تقييم سنوي تختلف متطلبات اختباراته بحسب الصف الدراسي.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!