رفعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في 25 سبتمبر/أيلول، عدد الشركات المدرجة في قاعدة بيانات الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة في فلسطين إلى 214 شركة من 11 دولة. وجاء ذلك بعد إضافة 61 شركة وحذف 5، من دون أن يترتب على الإدراج تلقائيا تجميد أموال الشركات أو تغريمها أو منعها من العمل.
وأُنشئت القاعدة بتكليف من مجلس حقوق الإنسان وتُحدّث دوريا، لكنها لا تشمل جميع الأعمال التجارية المتصلة بالمستوطنات. وهي تركز على أنشطة محددة، منها توريد معدات البناء والمراقبة والهدم، وخدمات النقل والأمن، والتمويل واستغلال الموارد الطبيعية.
ولا يعد الإدراج حكما قضائيا أو عقوبة، بل يوثق نشاط الشركة بما قد يتيح لمستثمرين أو حكومات أو جهات قانونية الاستناد إليه في قرارات مستقلة. وتؤكد المفوضية أن عملها لا يشكل عملية قضائية أو شبه قضائية، ولا يقدم توصيفا قانونيا للأنشطة أو لمستوى انخراط الشركات فيها.
ولا يكفي ورود اسم شركة في شكوى لإدراجها. ففي مراجعة 2025، أخطرت المفوضية الشركات بالمعلومات المتعلقة بها ومنحتها 60 يوما للرد، ثم أتاحت لها فرصة إضافية لتقديم توضيحات أو أدلة على توقف النشاط. وتعتمد المفوضية معيار وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بانخراط الشركة في نشاط مشمول بالقاعدة، وهو معيار أدنى من معيار الإثبات الجنائي.
وفي تحديث 2026، صنفت المفوضية 200 شركة على أنها «تسهم» في الأثر السلبي على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، و14 شركة باعتبارها «مرتبطة مباشرة» بذلك الأثر، من دون وضع أي شركة في فئة «التسبب». وأوضحت أن هذا التقييم يقتصر على حق تقرير المصير ولا يشمل حقوقا أخرى.
وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن التقرير يمثل «تذكيرا آخر للشركات بأن عليها مسؤوليات في مجال حقوق الإنسان»، وإن المتوقع منها إجراء العناية الواجبة لتجنب التورط في انتهاكات أو تجاوزات. وتشير مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية إلى أن الشركات التي تواصل علاقات تجارية رغم استمرار الأثر السلبي ينبغي أن تكون مستعدة لتحمل تبعات محتملة على السمعة أو المال أو القانون.
أمثلة على آثار محتملة
وفي النرويج، أعلنت شركة التقاعد «كيه إل بي» في يوليو/تموز 2021 استبعاد 16 شركة مرتبطة بالمستوطنات، عقب مراجعة أعقبت نشر قائمة الأمم المتحدة، وباعت أسهما وسندات فيها بقيمة 275 مليون كرونة. وقالت كيران عزيز، المحللة الأولى في ذراع إدارة الأصول بالشركة، إن التقييم خلص إلى وجود «خطر غير مقبول» بأن تسهم الشركات المستبعدة في انتهاكات لحقوق الإنسان في أوضاع الحرب والنزاع من خلال صلاتها بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وأضافت عزيز أن «كيه إل بي» حاولت أولا الحوار مع تلك الشركات، لكنها اتجهت إلى الاستبعاد عندما لم يحقق تأثيرها نتائج. وتبقى هذه الحالة مثالا موثقا على أثر مالي، من دون أن تعني وقوع النتيجة نفسها لكل شركة مدرجة، إذ لا تتضمن وثائق المفوضية تقديرا للخسائر المالية الناجمة عن الإدراج.
وأي قيد حكومي يتطلب قرارا مستقلا عن قاعدة البيانات. فالإرشادات المحدثة في المملكة المتحدة خلال يونيو/حزيران 2026 تنصح بشدة بعدم ممارسة أنشطة اقتصادية ومالية في المستوطنات، وتحذر من مخاطر قانونية واقتصادية وتبعات على السمعة، مع تأكيد المملكة المتحدة معارضتها الشديدة للمقاطعة.
وفي 8 سبتمبر/أيلول، أعلنت 12 دولة، بينها المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وإسبانيا والنرويج، عزمها فرض قيود وطنية و/أو دعم قيود أوروبية على تجارة سلع المستوطنات، أو دراسة هذه الإجراءات. ولم يربط البيان تلك الخطوات بقاعدة الشركات.
وتقدم شركة «بوكينغ دوت كوم»، التي بقيت مدرجة في تحديث 2026، مثالا على مسار قضائي منفصل. فقد قدمت منظمات حقوقية في هولندا عام 2023 شكوى جنائية تتهم الشركة بغسل عائدات مرتبطة بعروض في المستوطنات، ثم لجأت في أبريل/نيسان 2026 إلى محكمة الاستئناف في لاهاي بسبب تأخر النيابة في البت في الشكوى. وقالت الشركة آنذاك إنها لم تتلق تأكيدا رسميا بوجود شكوى رسمية، وإنها تتابع الوضع عن كثب وستتعاون مع السلطات المعنية عند الضرورة.
كما أعلنت «إير بي إن بي» في 2018 وقف عرض عقارات في المستوطنات، لكنها واجهت لاحقا إجراءات في ولايات أمريكية استنادا إلى قوانين لمكافحة المقاطعة، قبل أن تتراجع عن القرار في أبريل/نيسان 2019 ضمن تسوية لدعاوى قضائية.
وترفض إسرائيل قاعدة البيانات. وقالت بعثتها لدى الأمم المتحدة إن الآلية «مشوهة» وأنشأتها جهة تعاني «خللا بالغا» ولديها أغلبية تلقائية ضد إسرائيل، متهمة القاعدة بأنها وضعت من أجل «اضطهاد» إسرائيل. من جهتها، قالت «إكسبيديا» سابقا إن عروضها في ما تسميه «المناطق المتنازع عليها» موسومة بوضوح، وإنها تلتزم القوانين والعقوبات الدولية وتطبق عناية واجبة معززة تستند إلى معايير الأمم المتحدة.
إمكانية الحذف من القائمة
ولا يعد الإدراج دائما، إذ تطبق المفوضية معيار «الأسباب المعقولة للاعتقاد» نفسه عند الحذف؛ فإذا توافرت أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشركة لم تعد منخرطة في النشاط الذي أدى إلى إدراجها، يمكن حذف اسمها. وحذفت المفوضية 15 شركة من أصل 112 في 2023، ثم 7 شركات في 2025، بينها «ألستوم» و«إي دريمز أوديجيو» و«أوبودو»، قبل حذف 5 شركات أخرى في تحديث 2026.
وكانت «ألستوم» ضمن الشركات التي استبعدتها «كيه إل بي» عام 2021، قبل حذفها من قاعدة الأمم المتحدة عام 2025. وبذلك، فإن وجود اسم شركة ضمن الشركات الـ214 لا يعني صدور عقوبة بحقها أو خسارتها تلقائيا للأموال والعقود، لكنه يوثق نشاطها في مرجع أممي قد تستند إليه جهات أخرى، مع إمكان الخروج من القائمة إذا تغير النشاط الذي أدى إلى الإدراج.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!