مع انهيار قوات بشار الأسد أمام تقدم «إدارة العمليات العسكرية» خلال عملية «ردع العدوان» في سوريا أواخر عام 2024، بدأت روسيا فتح قنوات تواصل مع الفصائل العسكرية بدل مواصلة الدفاع عن حليفها. ويربط محللون هذا التحول بانشغال موسكو بحرب أوكرانيا، وضعف قوات الأسد، وتراجع قدرة إيران وحزب الله على دعمه.
كانت روسيا قد تدخلت عسكريًا في سوريا عام 2015 ومنعت انهيار نظام الأسد آنذاك. لكن الكاتب والباحث في العلاقات الدولية عمر كوش يرى أنها لم تتمكن من إعادة بناء دولة قادرة على الدفاع عن نفسها. ويقول إن موسكو سحبت كثيرًا من وحداتها العاملة في سوريا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، فيما أضعفت الضربات الإسرائيلية إيران وحزب الله؛ فأصبح الأسد، وفق تقديره، عبئًا على روسيا أكثر من كونه وسيلة لتعزيز نفوذها. ويرى أنها اختارت الحفاظ على قدر من ذلك النفوذ عبر التعامل مع السلطة السورية الجديدة.
ويقدم ريتش أوتزن، الزميل الأول غير المقيم في المجلس الأطلسي، تفسيرًا مختلفًا؛ إذ يرى أن روسيا أخطأت في تقدير قوة المعارضة وضعف نظام الأسد. ويقول إن موسكو كانت ستواصل دعمه لو بدت فرص انتصاره معقولة، لكن قواته انهارت أسرع من قدرتها على الاستجابة. ويضيف أن العزل الدبلوماسي والاقتصادي أضعف النظام تدريجيًا بعد عام 2022، وأن انشغال روسيا وإيران بحروب أخرى حال دون وصول تمويل جديد أو مساعدات عسكرية. لذلك لا يعدّ ما جرى تخليًا مباشرًا بقدر ما يراه عجزًا من النظام عن الصمود بمفرده.
ويعزو الكاتب المتخصص في الشؤون الروسية سامر إلياس تراجع استعداد موسكو للدفاع عن الأسد إلى فساد نظامه ورفضه المبادرات السياسية، فضلًا عن سعيه إلى الموازنة بين النفوذين الروسي والإيراني، ما أضعف موقع روسيا. ويقول إن سحب جزء من القوات الروسية بعد حرب أوكرانيا زاد صعوبة الدفاع عن نظام يراه غير قابل للإصلاح، في ظل علاقاته المتوترة مع تركيا والدول العربية. ويشير إلياس إلى تسريبات عن تنسيق مع القيادة السورية الجديدة خلال «ردع العدوان»، ويرجح أن موسكو حصلت على ضمانات لمصالحها ووجودها العسكري، من دون تقديم ذلك بوصفه أمرًا مؤكدًا.
أما باسل الحاج جاسم، مدير العلاقات الدبلوماسية في مؤسسة بوليتيكو تايمز، فيرى أن روسيا أعادت تحديد أولوياتها بحلول نهاية 2024. ويقول إن جيش الأسد لم يعد قادرًا على خوض معركة طويلة، بينما كانت موسكو منشغلة بحرب أوكرانيا، فاختارت الحفاظ على وجودها ومصالحها في سوريا بدل خوض حرب جديدة دفاعًا عنه. ويعد استمرار حضورها العسكري والسياسي بعد سقوط الأسد انعكاسًا لهذا التحول.
وبعد سقوط نظام الأسد، تفاوضت دمشق وموسكو بشأن القواعد الروسية على الساحل السوري. وأعلنت سوريا في 9 أغسطس الماضي التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا بشأن مصير قاعدتي حميميم وطرطوس وإعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل. وقالت الخارجية السورية إن الدولة ستتولى إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيدًا لإدخالهما تدريجيًا ضمن الإدارة المدنية. أما القواعد والمنشآت العسكرية، فاتفق الطرفان، وفق الخارجية، على إعادة تحديد وظيفتها لتصبح مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، ضمن ترتيبات تحفظ مصالحهما، وفي إطار زمني لا يتجاوز 3 أشهر.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!